نجد أنفسنا مجدداً أمام فرض حقيقة القدس، وما هية القدس في المعادلة الإنسانية عموماً. فمن جديد نكتشف أن للقدس حسابات أخرى غير حسابات باقي المدائن، فالقدس تاريخيا تحررنا من هزائمنا ومن انكساراتنا فيما نحن نسعى إلى تحريرها، وهي توحدنا فيما نجهد من اجل توحيدها، وهي تفتح لنضالنا الآفاق الواسعة فيما نحاول أن نكسر من حولها القيود، ذلك أن القدس تجمع الأمة بكل مكوناتها، كما الإنسانية بكل حضاراتها وثقافاتها وأديانها، بل في القدس تنكشف العدوانية الفعلية لكارهي الإنسان بشكله الآدمي وللفعل الاحتلالي بكل أبعاده لا على أهل القدس وحدهم، ولا أبناء الأمة كلها، بل على الكون بأسره. معادلة القدس تفرض نفسها وحضورها في ظل غياب الضمير الإنساني الحر المتحرر من كل أشكال الضغط وحسابات المصالح الإقليمية والدولية وتلك المتعلقة بحسابات الأنظمة والدول وحسابات «البزنس» للشركات عابرة القارات ومتعددة الجنسيات التي أصبح لها كلام الفصل بحسبة صناعة القرارت السياسية للدول وللأنظمة. القدس بكل مرة تفرض نفسها وتفرض حضور قضاياها والصراع متاجج بكل أشكاله لطالما أن منطق الضاد يفرض نفسه ولن يكون الكلام إلا كلاماً عربياً.
القدس لا شك أنها تعيش اليوم واحدة من مسلسلاتها الهادفة إلى تأويلها وتأويل وقائعها وتُفتح معاركها ببشرها وحجرها وتهجير إنسانها في محاولة لتفريغها من محتوياتها وتزييف حقائقها. وهي التي تسهم بإثارتنا وإثارة كل حساسيات وحسابات التاريخ واستحضاره. وما من استكانة فلسطينية والقدس نازفة ليل نهار.
القدس هي التي تفرض الحرب وقد تفرض برد السلام وقد تكون بوابة العبور للشقاق والخلاف حينما يكون التفريط بثوابتها سيد اللحظة، ومن المؤكد إنها حجر الزاوية الأساسي في التصالح وتوحيد الصفوف وانجاز العمل الوحدوي لكل أطياف اللون الفلسطيني والعربي على مختلف وتنوع المشارب الفكرية والأيدلوجية عندما يصبح التشبث بالحقوق الراسخة ثابتة ثبوت تلالها.
هي معيار الثوابت والتمسك بها، وهي مقياس التشبث بقومية العرب أن كان للعروبة من فاعلية بهذا الصدد، وهي التي تملك مفاتيح الولوج إلى كل ضفاف الإنسانية ومستوياتها فلكل شعوب المعمورة مكامن بها وبصمة من بصمات حضارتهم. والصراع عليها وفيها صراع ليس بالجديد ولنا أن نقول انه صراع يأخذ الطابع البشري الحضاري، حيث الصراع الدائر رحاه الآن في ثناياها إنما هو الصراع الفعلي ما بين أقطاب معادلة الخير والشر وهو انعكاس لطبائع الأمور منذ الأزل ففقيرها يصارع أباطرة الظلام الساكنين على هوامشها ومن يدعون زورا وبهتانا أنهم أسيادها والقدس لا تعترف بسادة أو أمراء فيها حيث أنها من تصنع السادة والأمراء أن هم عشقوها وتمرغوا بترابها وعايشوا أقاصيصها وحكاياتها وجالوا بأزقتها وتنشقوا عبق أبخرتها، واعتلوا أسوارها وانشدوا أهازيج أغانيها ورتلوا مزاميرها وفككوا النقوش الموسومة على جدرانها.
القدس هي القادرة على فعل التحدي وفرض التصالح واستحقاقاته أن كانت النوايا خالصة بهذا الاتجاه من خلال المعادلة الأبسط التي لا بد أن تجد لنفسها طريقا وسط ظلامية الخصام والتقاتل والتخاصم حيث لا خلاف على القدس أو في القدس ومن الممنوع أن نتصارع بالقدس لسبب بسيط وقد يكون بديهي أن القدس من الممكن بل من المؤكد أنها ستلفظ كل من يتقاتل بأزقتها وتنبذ كل من يحاول أن يجيرها لصالحه فهي العصية على حسابات المصالح والاستثمار الفئوي فيها في سبيل تحقيق أغراض أخرى غير أغراض القدس.
ولابد من الإدراك هنا أن فلسطين بدون القدس معادلة مبتورة وغير مقروءة أو مفهومة المعالم ولا يمكن أن تستوي رموزها وحسبتها. ولابد من الإدراك أيضاً انه ومن خلال القدس وفعل القدس تتغير معالم العوالم. فإذا كانت غزة محاصرة فالقدس تعيش أعتى أشكال الحصار وان كان كسر الحصار على غزة فعلا ضميريا بامتياز فلابد من الإدراك أن كسر الحصار عن القدس فعلاً نضالياً وكفاحياً أساسه العمل بشكل متواصل وبكافة السبل والإمكانيات المتاحة والممكنة وان تظل خياراتنا مفتوحة ولنا الحق دائما بذلك.
من المهم العلم والكل يعلم أن القدس معيار صدق القادة وكذبهم ومقياس الفعل النضالي أو الارتكان لمخططات حكومات تل أبيب المتعاقبة. وبالتالي لابد أن تعتبر قضاياها هي محور الفعل الأساسي لكافة الأطر الوطنية والرسمية في النشاط السلطوي للسلطة الفلسطينية، إلا أن الحقيقة وللأسف قد تكون مغايرة بعض الشيء، فكثيرة هي خطابات الاستجداء التي تجد طريقها على طاولة هذا المسؤول أو ذلك المتنفذ على شكل. برجاء قراركم. وننتظر موقفكم. ونرجوا الموافقة على ما ورد أعلاه. ويكون أن يأتي رد بعض أولي والأمر فينا. إحالة القضية للدراسة. للإفادة. لإعطاء الرأي القانوني. لإفادتنا وما يتعلق ببنود الصرف والموازنة. وقد يكون. تشكيل لجنة متخصصة لدراسة القضية أو طلب موضوع الكتاب. إحالة المسألة إلى الجهات المعنية. لا يسمح القانون بالصرف. هذه هي جل التعليقات التي يتلقاها اليوم المواطن المقدسي على مخاطبته لبعض مسؤولي القرار وللقادة المفترض أنهم في أماكن تؤهلهم لمتابعة قضاياه التي لا يمكن أن تنتظر طويلاً أو أن تحتمل الدراسة والتدقيق والتمحيص وهذا الروتين الذي يبدأ بمسؤول ولا ينتهي عند احد .هذا إذا ما سارت الأمور بالشكل الروتيني ولم تضيع الأوراق في دهاليز الأرشيفات والتأشيرات الموقع عليها من المدراء والمدراء العاميين .
فقير القدس لا يملك إلا أن يقوم بمخاطبة مسؤولينا في محاولة منه كي يتعلق بقشة الغريق. وتكون الردود معلومة ومعروفة بل انه يتوقعها. وتضيع القضية والمسألة التي تنتظر القرار السديد من حضرة المسؤول وتذهب إدراج الرياح كافة الطلبات المقدمة لمد يد العون. وكل ذلك ناجم عن عدم وجود خطة استرتيجية فعلية لمواجهة السياسات الاحتلالية في القدس التي اعتمدت وتعتمد أسلوب التشتيت وبعثرة القضايا على أكثر من صعيد ومستوى لإرباك الجانب الوطني في القدس وفي ظل ضياع منهجية العمل الوطني والتعاطي مع القضايا بشكل انفرادي وفردي وشخصي ومن ليس له سند ستضيع طلباته. وبالتالي سيكون الضياع الفعلي للقدس.
لابد من انقلاب بمفاهيم التعامل مع القدس ولفظ قوانين أوسلو التي تعتبر بحكم الفهم الدولي والمنطق العملي قد انتهت صلاحياتها وأصبحت غير ملزمة لأي من أطرافها وحيث أن الجانب الفلسطيني الرسمي ما زال يراهن على إمكانية إحداث اختراق دراماتيكي في الفعل السياسي التسووي. وفعل الاختراق لن يحدث لطالما أن الرهان يعتمد أولاً وأخيراً على مسار العمل التفاوضي ليس أكثر .
وإذا كان للقدس من مكان في ظل متغيرات العوالم العربية وما تشهده من فعل انقلابي فلابد من تحديد القدس في خطاب من ينتفضون الآن بكل أزقة العواصم المرتعشة والمهتزة في ظل هتافات ميادين التحرير في تلك المدن. حيث إن للقدس حضوراً لابد من فرضه في أزقة تلك المدن وهي التي لم تنطق كلمتها حتى اللحظة تجاه أم المدن العتيقة.
وإذا أردنا للقدس أن تظل عربية ناطقة بلسان قحطاني عدناني فلابد من مراجعة الذات لأولي الأمر في عوالم العرب للكيفية التي يتم التعامل مع قضايا القدس.