الكاتب : د.أحمد رفيق عوض | عدد القراءات : 349 | تاريخ المقال : 2012-08-12
بعد كل هذه السنين، فمن حقنا أن نراجع اتفاقيات السلام التي عقدتها إسرائيل مع عدد من الأطراف العربية بما فيها نحن الفلسطينيين، فهل كانت هذه الاتفاقات في صالحنا؟! و هل أصبحنا أفضل بعدها؟! وهل حققنا أهدافنا الوطنية و التنموية من خلالها أو بسببها؟!
و لأن بعض تلك الاتفاقات مرّ عليها أكثر من ثلاثين عاماً، فإن كشف الحساب له مصداقية عليا، و يعطينا صورة وثيقة عما حصل تماماً. و يمكن القول بكثير من الهدوء و الموضوعية أن اتفاقات السلام كلها- بلا استثناء- لم تحقق ما أراده الشعب منها، فهي لم تحقق السلام المنشود و لم تحقق التنمية المقصودة و لم تجلب الحقوق و لم تستعد الأراضي و لم تنشط السياحة و لم تزد عدد الآبار الارتوازية و لم تنقص معدلات البطالة و لم ترفع معدلات الاندماج العلمي و التكنولوجي.
بل على العكس من ذلك تماماً، فإن هذه الاتفاقات التي سميت ظلماً اتفاقات سلام كانت سبباً لإثارة الاضطرابات و ازدياد نزعات العدوان و الاعتداء، و كانت سبباً أيضاً للفرقة و التوجس و التحالفات خارج المنطقة، و كانت سبباً أيضاً للفقر و التصحر والجهل و ظهور نزعات الاستهلاك و الاستيراد و الاعتماد على الآخرين.
و ليسمح لي الأستاذ نبيل عمرو أن استعير فكرته القائلة أن بعض العرب بمن فيهم الفلسطينيون قدّروا أو حسبوا أن مجرد اعترافهم بإسرائيل سيؤدي إلى أن يحصلوا على معظم حقوقهم، و لكن ما حصل- و الكلام للأستاذ نبيل عمرو الذي أسعدني و متعني بحواراته الذكية و العميقة- أن ذلك لم يؤد إلى استعادة الحقوق بل إلى التفريط بها بشكل متسرع أو متدرج حسب الأشخاص و الأماكن و الظروف.
الآن و بعض مضي عقود طويلة على السلام مع إسرائيل، سنخجل إذ نعترف أن السلام معها لم يكن كما خططنا له أو حلمنا به أو سعينا إليه، و سنخجل أن نعترف أن أوضاعنا قبل اتفاق السلام كانت أفضل حالاً من الآن، على كل المستويات قاطبة، و سنخجل أن نعترف أن اتفاق السلام أصبح باهظاً و ثقيلاً، و انه قللّ الخيارات و ضيق الهوامش، و دفعنا إلى الزاوية، و الانكى و الأدهى من كل ذلك، فإن هذا الاتفاق جعل من إسرائيل تملك قواعد اللعبة و إدارتها و شروطها و ظروفها كلها.
وان هذه الاتفاقات أضرت بصورة العربي و غيرت من أولوياته و اهتماماته، و أنا هنا لا أتحدث عن الفلسطينيين فقط، و لكنني أتحدث عن ذلك السلام العربي الإسرائيلي، العلني منه و السري، المكشوف و نصف المكشوف و المغطى، حيث أصبح التعايش أو التكيف أو السلام أو التحالف أو الارتباط بإسرائيل جزءاً من خيارات لم تعد تلقى الرفض أو الشجب أو الاستهجان، بل على العكس من ذلك تماماً، إذ يقال أن هذه خيارات الضرورة أو الخيارات الواقعية أو الخيارات المرنة أو سمها ما شئت، و لكنها ليست الخيارات المرفوضة أو الغائبة أبداً. إلى هنا وصلنا بعد كل هذه العقود من السلام مع إسرائيل.
اتفاقات السلام مع إسرائيل، و هي تلك الاتفاقات التي تم التوصل إليها في ظروف سيئة، أوصلت المنطقة –ضمن أسباب أخرى أقل أهمية- إلى أن تنفجر بكل أثقالها وأحمالها وأورامها وأوجاعها، وأوصلت المنطقة أن تسأل أسئلتها التي يجب أن تسألها و إلى وضع الأجندة الحقيقية التي يجب أن توضع.
وبعد كل هذه العقود التي مضت على تلك الاتفاقات،نجد إسرائيل أكثر نزوعاً إلى الحرب و أكثر يمينية و أكثر تطرفا، وكان تلك الاتفاقات و رغم كل شيء لم تهدئ من روع إسرائيل أو تطمئنها،بل على العكس من ذلك تماما فهذه الاتفاقات و إن منحت إسرائيل أفضلية الهيمنة و النفوذ إلا أنها لم تمنحها الراحة، بل منحتها فترة من الزمن لأن تعمق شروخها و ثقوبها و فجواتها، و هذا دليل إضافي على أن اتفاقيات السلام ولدت نيئة وغير حقيقية و لا تقوم على أسس حقيقية تجعلها دائمة و مستقرة و تحظى بقبول الجماهير في المنطقة.
ولا نريد أن نخوض في تفاصيل تلك الاتفاقيات أو أن نسمي الأشياء بمسمياتها بل سنكتفي بالتلميح دون التصريح إلا في حالتنا، إذ أن اتفاق أسلو و بعد كل هذه السنين تحول إلى ذكرى من ذكريات التاريخ ليس إلا، ذلك أن العلاقة مع إسرائيل الآن ليست علاقة ندية أو متكافئة، بل المطلوب منا أن نمنح إسرائيل شرعية الوجود و الهوية قبل أن يتم التخلص منا بشكل أو بآخر. الآن و بعد كل هذه السنين فان اتفاق السلام مع إسرائيل أصبح عبئاً علينا تماماً و ندفع ثمنه يومياً. أما السلام مع الأطراف العربية الأخرى، فلم يؤد إلى شيء يمكن الإشادة به أو الإشارة إليه، سوى منافع لا يلمس أفراد الشعب فوائدها أو أثارها ولا يشعرون بها.
السلام مع إسرائيل- في حالة إقامة سلام حقيقي معها ذات حلم أو ذات يوم- يجب أن يكون له ثمن لا يمثل سوى الحد الأدنى و الأقل بالنسبة لنا ويتمثل ذلك بالاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني و مصيره و دولته وأرضه، أما ما عدا ذلك، فهو سلام مهتز وغير ثابت وعلى حساب الشعوب و ليس من أجلها. و لهذا السبب بالذات، فإن كل اتفاقات السلام مع إسرائيل حتى الآن لم تؤد إلى سلام أبداً ولن تؤدِي إليه أيضاً.