الكاتب : د. حسن عبد الله | عدد القراءات : 354 | تاريخ المقال : 2012-08-05
كانت التجربة الفلسطينية جراء حالة الانقسام، بما فيها من دماء ومرارة وفقدان بوصلة، كفيلة لكي تبرهن للفلسطينيين بشكل عام ولحركتي فتح وحماس على وجه الخصوص، أن ليس بمقدور أية قوة فصائلية أو حزبية، استئصال القوة الأخرى أو نفيها بعيداً عن حركة الفعل.
كانت التجربة كافية لإقناع حركة حماس، أن فتح في قطاع غزة ضاربة الجذور عميقاً، ولها سجل حافل بالشهداء والأسرى والجرحى، ولها صولات وجولات مع البطولة في محطات العمل النضالي، لذا لا سبيل لاجتثاث هذا التراث الكفاحي.
وكانت التجربة كافية أيضاً لإقناع حركة فتح وكل الجهات المعنية، إن حركة حماس الآن في الضفة الغربية ليست كما كانت قبل خمسة عشر عاماً، فقد أصبح لها تاريخ ممهور بالدم ومتوج بالتضحيات الجسام، فهذه الحركة لها جمهور واسع من المؤيدين، وبالتالي فان اعتقال العشرات أو المئات، لا يمكن له أن يخرجها من ساحة العمل والتأثير.
الفصيلان الكبيران فتح وحماس وجودهما ضروري واختلافهما صحي، فيما لو تم توظيفه بشكل صحي، فالتنوع مطلوب والطبعة السياسية الواحدة فشلت في عديد التجارب العالمية. إن قوة هذين الفصيلين على الساحة من شأنها أن تفتح بوابة واسعة لتجربة ديمقراطية مهمة كما في دول متقدمة، حيث يتنافس الحزبان الكبيران في العمل والعطاء، يقدمان الخدمات والعيون ترنو بأمل إلى صناديق الاقتراع، بينما الأحزاب الصغيرة أصبح لديها خبرات واسعة في العملية الائتلافية، حيث تضغط وتبتز وأحياناً ثؤثر بقوة في السياسات.
وما دام الأمر كذلك، لماذا نتعامل في تجربتنا الفلسطينية بنفس إقصائي، اجتثاثي. نستهدف الآخر ونعمل بكل ما نستطيع من اجل نفيه؟... ومن هو على هذه الأرض الذي يمتلك المعرفة المطلقة والحقيقية المطلقة والسياسة المطلقة والاقتصاد المطلق ؟.
كل المسائل نسبية تماماً، والنسبية تعني أنني لا املك الحقيقة كاملة، وعليَ أن أتكامل مع الآخر، أن اعترف بدوره، أن أتنافس معه في العمل، وان يحفزني نشاطه وحركة فعله إلى مزيد من العطاء .
وتعني النسبية كذلك أن معرفتي تحتاج دائماً إلى تحفيز وتدعيم، لكي، لكن دون أن اجعل هدفي تدمير «نسبية» الآخرين، لأنني لو فعلت ذلك سأضرب منسوب نسبتي، حيث أن جهدي سيتبدد في معارك ثانوية وجانبية، تشكل على المستوى القريب والمتوسط استنزافاً لهذا الجهد، بخاصة وأنني لا أوظف طاقتي في المكان الصحيح، أي في العمل التحرري والبنائي والتنموي، لان الجهد الذي سأبذله وأنا أحاول عبثاً استئصال الآخر، سيستنزف مجتمعي وقضيتي، وقبل ذلك سيأكل ذاتي الحزبية أو السياسية.
بعد سنوات من الانقسام أين وصل قطاع غزة، وأين أصبحت الضفة ؟
أنهما يقبعان في الحصار والاحتلال واحتجاز التطور، فلا القطاع أصبح منطقة استجابت لطموح المواطن، ولا الضفة تقدمت سنتمتراً إلى الأمام في ظل معاناة تتفاقم يوماً بعد أخر، مع انسداد الأفق التفاوضي.
وحينما أقول أن الوضع بات نموذجياً للاحتلال، فإنني لست أول من يطلق هذا التوصيف، فقد أصبح مكرراً وبديهياً، بيد أن استمرار الوضع على حاله من احترابٍ في الميدان واحترابٍ في الإعلام، بل واحتراب على مستوى الاستراتيجيات عامة، سوف يؤجل بالطبع إقامة الدولة الفلسطينية سنوات وسنوات، لدرجةٍ ربما تنسينا هذا الهدف الرئيس وتجعلنا نسلّم لما نحن فيه، وربما نتبجح مخادعين أنفسنا، من خلال تشبّث كل فريق بـ«إمبراطوريته»، متناسياً متجاهلاً أنها إمبراطورية من ورق.
مواضيع ذات صلة
|