الكاتب : إبراهيم شعبان | عدد القراءات : 404 | تاريخ المقال : 2012-07-25
يسود اعتقاد كبير لدى شرائح مختلفة من المجتمع الفلسطيني مفاده تأكيد أو نفي أن القانون الدولي لوحده كفيل بحل القضية الفلسطينية وإنهاء النزاع العربي الإسرائيلي أو حتى النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. لذا ترى بعضا من هذه الشرائح تقف على بابه مستجدية حلا للقضية الفلسطينية وفق قواعده، والبعض الآخر فقد ثقته فيه فبدأ يلعنه ويقرّعه باعتباره قانونا كافرا أو عاجزا أفرزه مجتمع دولي كافر أو عاجز وترعاه هيئة كافرة أو تابعة للولايات المتحدة الأمريكية تسمى: هيئة الأمم المتحدة.
ابتداء، لا بد من توضيح بسيط يتصل بطبيعة القانون الدولي واختلافه جذرياً عن القانون الداخلي وبخاصة في موضوع الجزاء. فالقانون الداخلي ينفذ بيسر وسهولة عبر استعمال القوة ومنها القوة المسلحة على كل من يخالفه. بكلام آخر، الجزاء بجميع صوره جاهز وحاضر لكل من يخالف القانون الداخلي ولو تراخى هذا الجزاء أحيانا. فالتعويض والبطلان والحبس جزاءات فعالة تجعل أي شخص يفكر مرتين قبل مخالفة القانون الداخلي، لعلمه أنه سينصاع لحكم القانون الداخلي أخيراً، حتى لو كان ذو منصب رفيع.
أما في القانون الدولي فالأمر جد مختلف، إذ يختفي الفرد وتحل محله الدولة، ذلك الوحش الذي يبتلع كل شيء في طريقه عبر قوته، ويكتسي برداء السيادة الواقي من أي تدخل خارجي. صحيح أن هناك فصلا خاصا بالجزاءات الدولية للدول هو الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الموقع عام 1945 يتعلق بقطع الإتصالات السلكية واللاسلكية والإقتصادية والدبلوماسية والثقافية والحصار والحرب، لكن تطبيقه على الدول يكون أحيانا في غاية الصعوبة، ومرهونا ببواعث سياسية غير قانونية ومصالح ذاتية.
فمثلا صدر قرار من محكمة العدل الدولية ضد الولايات المتحدة في عام 1986 في قضية ثوار الكونترا والنظام السانديستيني في أمريكا الجنوبية. فماذا استطاعت هيئة الأمم المتحدة أن تفعل إزاء ذلك القرار؟ وهل استطاعت تنفيذه ؟ بل وماذا حصل لقرار صادر عن أعلى محكمة دولية؟! وهل كان بالإمكان وضع الولايات المتحدة في سجن أو فرض غرامة عليها كالمواطن العادي؟! ولماذا نذهب بعيداً، فقد أصدرت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً في موضوع الجدار عام 2004 بينت فيه عدم قانونيته، فهل انصاع الإسرائيليون لهذا القرار؟ حتى محكمتهم العليا لم تنصع له ورمته في سلة المهملات. وهل فرض على الإسرائيليين أي جزاء ولو كان بسيطا لمخالفتهم القانون الدولي ممثلا في حكم أعلى محكمة دولية؟!
لنأخذ مثالاً معاكساً، حينما قام العراق بغزو الكويت عام 1990، فقد قامت الولايات المتحدة باستصدار العديد من القرارات الفعالة من مجلس الأمن الدولي ضد العراق خلال أسبوع واحد من الغزو، وفرضت عليه كثيراً من العقوبات حتى وصلت الدواء، وانتهى الأمر بتشكيل جيش من ثلاث وثلاثين دولة يرفع علم الأمم المتحدة لتحرير دولة الكويت (بلغت قرارات مجلس الأمن الخاصة بالنزاع العراقي الكويتي 77 قراراً). وهذا يذكرني انه في عام 1967، وبعد غزو إسرائيلي لأراضي دول عربية ثلاث هي سوريا ومصر والأردن، صدر عن مجلس الأمن الدولي قرار ضعيف ركيك غير مربوط بالفصل السابع، أقرب منه إلى التوصية والنصح والإرشاد حمل الرقم 242 بعد خمسة أشهر ونصف من المناورات الدبلوماسية الأمريكية والبريطانية.
أما صدور قرار بشأن القدس من مجلس الأمن، فقد تأخر صدوره أحد عشر شهرا وقطعا بدون ربط بالفصل السابع الخاص بالجزاءات الدولية. فلكم أن تتخيلوا هذه المفارقة وازدواجية المعايير، مع أن هذه القرارات وغيرها تزعم تطبيق القانون الدولي.
وحتى نكون دقيقين، استعمل القانون الدولي لضرب الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، وفي أحيان أخرى كان رافعة هامة لذات الحقوق وتأكيدها. ولا أدل على ذلك الإخلال من قراري الإنتداب على فلسطين وقرار التقسيم لفلسطين. ففي حالة الإنتداب لم يكف بريطانيا وعد بلفور بل قامت من خلال عصبة الأمم بتضمين هذا الوعد المشئوم صك الإنتداب الأممي. وبذا استغل القانون الدولي من خلال منبر عصبة الأمم لإقامة دولة يهودية في فلسطين. وما لبث أن زاد الإستغلال بشاعة حينما قامت هيئة الأمم المتحدة وريثة عصبة الأمم بتقسيم فلسطين عام 1947 عبر القرار 181 إلى دولتين ووضعت نظاما للتدويل لمدينة القدس.
في المقابل قامت الأمم المتحدة وقبلها عصبة الأمم برفد القانون الدولي بقرارات على درجة عالية من الأهمية. فمثلاً تبنت عصبة الأمم تقرير لجنتها لفلسطين عام 1930 بخصوص حائط البراق حيث أكدت أنه ملك إسلامي خالص وللمسلمين كامل الحقوق العينية عليه، وأصدرت القرار 194 الخاص بحق العودة.
وأصدرت هيئة الأمم المتحدة من خلال الجمعية العامة ومجلس الأمن قرارات هامة بشأن الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، ومنع أي تغيير في مدينة القدس واعتباره باطلاً ولاغياً، وإدانة الضم والإستيطان في القدس، وتطبيق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي المحتلة بما فيها القدس، ورفض الإستيلاء على الأراضي الفلسطينية بالغزو العسكري وبالقوة المسلحة، وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. لكن دور الأمم المتحدة بشان الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني ومدينة القدس في تراجع مستمر منذ اتفاقيات أوسلو. ولعل ما جرى لطلب فلسطين قبولها عضوا كاملا في الهيئة خير دليل على ما نقول.
القانون أحد أدوات السياسة سواء في الحقل الداخلي أو في الحقل الخارجي يرافقه الاقتصاد والقوة المسلحة والاجتماع والدين، لكن بروزه كوسيلة سياسية يتخذ بعدا أكبر في الحقل الدولي. القانون الدولي نصير الدول الضعيفة والشعوب المحتلة، وبخاصة بعد تبني حقوق الإنسان شعارا وجوهرا. المشكلة تقع في تسييس الجزاء الدولي وبالتالي يفقد القانون الدولي أو يكاد إلزاميته، ويغدو مجرد نصح وإرشاد.
المشكلة أن إسرائيل لا تعترف بالقانون الدولي الإنساني أو القانون الدولي لحقوق الإنسان للتطبيق على الأراضي المحتلة جميعاً وتصرفاتها تشير إلى أنها فوق القانون الدولي، ولعل تقرير القاضي الصهيوني ليفي خير دليل على أن للكذب ألوان عدة أما الحقيقة فليس لها إلا لون واحد. ويزيد الطين بلّة أنها ضمت القدس العربية وأخضعت مواطنيها للقانون الإسرائيلي. وتقوم الدولة الأمريكية بحماية الدولة العبرية من أية جزاءات دولية محتملة في المحافل الدولية وتزعم في الوقت ذاته أنها تطبق القانون الدولي تماما كإسرائيل ذاتها.
وبالرغم مما يحيط بالقانون الدولي من نواقص في التطبيق وبخاصة في القضية الفلسطينية، ورغم ما شابه من انحرافات في التطبيق من المجتمع الدولي والهيئات الدولية بخصوص الحقوق الفلسطينية، إلا أنه لا حيدة عنه، فهو الملاذ الأول والأخير ويجب التمسك به رغم الهنات والسقطات. ولكن يجب العمل على العوامل الأخرى التي ترفده لأن الحجر المتدحرج لا يتوقف إلا في أسفل المنحدر، فليس من عصفور يحلق عاليا إلا بجناحيه!!
مواضيع ذات صلة
|