الكاتب : د.عبد الهادي العجلة | عدد القراءات : 461 | تاريخ المقال : 2012-07-11
قبل سبع سنوات رحل القائد الأممي ياسر عرفات مودعاً قضية الأمة العربية الأوحد على مر السنين، ومودعا شعباً لا يزال يرزح تحت الاحتلال. حاول عرفات على مدار سنوات نضاله منذ 1964 أن يحقق الحلم الفلسطيني بتحرير فلسطين أرضاً وشعباً وتحقق كياناً مستقلا لفلسطين بعد أن تخلى عنه الجميع عرباً وعجما إبان العامين 1982 وبعد حرب الخليج الأولى .
حاول عرفات أن يبنى حلم كل فلسطيني على كل شبر يمكن تحرير من أرض الوطن، حيث عمل عرفات خلال سنوات العودة على إنشاء قاعدة استراتيجيه للتحرك والنضال من أرض الوطن وليس من خارجه وحقق ذلك بخلق واقع جديد أربك العالم سياسياً ووضع العالم تحت سياسة الأمر الواقع باستراتيجيه فلسطينيه وهى «إرادة السلام» وكان عنوان المرحلة «الأرض مقابل السلام»، فمنذ اليوم الأول لتوقيع اتفاق أوسلو, اعترف الإسرائيليون أنهم لا يثقون بياسر عرفات، فهم يرون في عرفات المؤسس للكفاح المسلح والرجل الصعب الذي لا يمكن أن يتنازل عن ثوابت القضية وربما عن فلسطين كلها. لقد كان عرفات فعلاً السياسي والعسكري المحنك الذي لا يمكن التغلب عليه سياسياً عسكرياً, فهو من استطاع التكيف مع الظروف السياسية العالمية فارضاُ أجندته على طاولة الساسة والقمم العالمية. هنا كان لا بد من وقف ياسر عرفات واغتياله سياسياً وعسكرياً. ليس الأمر وليد العام 2002 أو 2004. قرار اغتيال عرفات اتخذ قبل ذلك بعدة عقود ولكن الظروف السياسية والمتغيرات العالمية لم تسمح لهم بذلك.
في فلسطين والعالم العربي وكافة دول العالم يؤمن الملايين من الساسة والكتاب والمحللين والمثقفين والمؤلفين والعسكريين أن عرفات مات بفعل فاعل ولم يمت كأي شخص عادى. لقد قال لي احد الضباط الألمان ويعمل في مقر الناتو أنني أؤمن أن عرفات مات مسموماً ولم يمت ميتاً عاديه. أنه شخص ليس ككل العسكريين وليس ككل السياسيين. إذا يعرف الجميع أن عرفات مات مسموما, ويدرك الفلسطينيون هذه الحقيقة في الداخل والشتات فلو سألت طفلاً صغيراً في شوارع عين الحلوة أو حارات مخيم بلاطه أو مدينه رفح لقال لك أن عرفات مات مسموماً ولم يمت بشكل طبيعي كما أن دعوت بعض الجهات الغربية واخفت, ربما, أدله مهمة يمكن أن تستخدم مستقبلاً كدليل قطعي ورسمي على أن عرفات استشهد مسوماً.
العديد من المحللين السياسيين والكُتاب كتبوا حللوا وأصدروا الفتاوى ربما بعلم أو حتى لا تضيع الحفلة عليهم وأدلوا بدلوهم في مناسبة ليست ككل المناسبات. لكن العديد ابتعد عن المنطق وأساس العمل السياسي والصحفي في رؤيتهم للأمور ولم يحللوا الموضوع بشكل يقنع القارئ أو يعطى ماده جديدة حسب رؤية علميه ذات أساس.
كما قال السيد عطا بائع الخضروات في شوارع رام الله لجريدة «ذا ناشونال» أننا جميعاً نعرف أن عرفات مات مسموماً. بعض القادة والمحللين والمنظرين الصهيونيين ادعوا أن عرفات مات تارة بمرض نقص المناعة المكتسبة وآخرين ادعوا أن عرفات مات بالسرطان وجميعهم أردوا إرسال رسالة مفادها أن إسرائيل لم تغتال عرفات.
وفي هذه الأيام حاولت الجزيرة, حسب تقريرها الاستقصائي لفت النظر إلى قضية ياسر عرفات من جديد ولعبت دوراً محوريا, كما عودتنا في إبراز قضايا الوطن العربي ضمن أجندة ورؤية غير منصفة و موجهة, ربما, تخدم أهداف لا تخفى على البعض. حيث ادعت الجزيرة أن عرفات قتل بمادة البولونيوم 210 Polonium السامة. البولونيوم هو عنصر كيميائي خطير جداً وأقوى 250000 مره من حمض البروسيك السام «أي انه قاتل لا محالة. والتعرض إلى جرعه بسيطة منه, سوف تؤدى ا حتماً إلى الوفاة».
وبناء على ذلك كان هناك العديد من النقاط الهامة التي يجب تحليها بشكل علمي بعيداً عن العاطفة الفلسطينية والحب المكنون للرئيس الراحل ياسر عرفات.
أولاً: إن التقرير الاستقصائي هو من إنتاج قناة الجزيرة الفضائية, صاحبة الباع الكبير في الضغط على القيادة الفلسطينية خلال السبع سنوات الماضية، وأول من اتهم الرئيس عرفات بالتفريط في الثوابت الفلسطينية، حيث شنت الجزيرة هجوم على الرئيس عرفات حتى وصل أن تم اتهامه من خلال تقارير ملفقه بان أصله يهودي وكانت الجزيرة ولا زالت مكاناً ومرتعاً لشن هجوم على عرفات وتاريخه ومنبر للأصوات المعارضة لسياسة عرفات التاريخية.
ثانياً: معد التقرير هو احد أفرداً جهاز الأمن والحماية الأمريكية سابقاً، حيث يعمل الآن كرئيس قسم الشفافية في قناة الجزيرة ومهرب وثائق المفاوضات العام الماضي. كلايتون سوشر مؤلف كتاب كيف سقطت كامب ديفيد واحد أفرد الحراسة الدبلوماسية لعرفات سابقاً، فبالتالي إعداد وانجاز الجزيرة لهذا التقرير موضع شك والتي عودتنا دائماً على سياسة توجيه اللسان المعارض بالقذف والخيانة مضادة للقيادة الفلسطينية وتوجيه أصبع الاتهام للقيادة بالتفريط دائماً.
ثالثاً: أعلن المركز السويسرى أن كلايتون نفسه (في التقرير ذاته) من طلب الكشف عن سموم شعاعيه, ربما لخبرته السابقة كرجل امن وحماية في البيت الأبيض! لماذا يطلب كلايتون هذا بنفسه؟ هل يعرف سابقاً انه ربما يكون مواد اشعاعيه فى ملابس عرفات؟ يؤكد أيضاً في لقاء متلفز انه سوف يقوم بتحقيق ملحق مع بعض الأشخاص للكشف عن قتله عرفات وبعض المقربين منه.
رابعاً: إن التقرير لم يذكر أن العديد من علماء الفيزياء الإسرائيليين قتلوا بنفس هذه المادة؟ حسب كتاب «the bomb in the basement» حيث أن العديد من علماء الفيزياء الإسرائيليين ماتوا أثناء تحضيرهم لهذه المادة ما بين الأعوام 1969-1957. إذا هناك نقص للحيادية في التحقيق الصحفي الذي قامت به الجزيرة. ذلك أن البروفيسور اروار سعاده الذي عمل في معهد ويزمان للأبحاث النووية مات بمرض السرطان بعد تعرضه لهذه المادة. بالإضافة إلى أن أحد مساعديه واثنين من طلابه ماتوا بعد سنوات بمرض اللوكيميا، لقد أخفت إسرائيل هذه الحقائق التاريخية ربما لأهداف معينه وربما اغتيال العديد من القادة العرب والأجانب المعارضين للتوسع الصهيوني في المنطقة.
خامساً: أما بالنسبه لوجود البلونيوم فى مقتنيات الشهيد ياسر عرفات, فهنا الجدل العلمى يزداد. البولونيوم 210 وهو من سلاله اليورانيوم يتحلل خلال 138 يوم و يتحول إلى رصاص 206. فكيف بقى لمده 8 سنوات في مقتنيات الرئيس الراحل؟ هل تم وضع البولنيوم لاحقاً تخوفاً من اكتشاف كيف استشهد أبو عمار حقاً؟
سادساً: الأعراض التي أصابت الجاسوس والمعارض الروسي ألكساندر ليتفينينكو بعد أن دس السم له لا تنطبق على الرئيس عرفات. فعرفات لم يفقد شعره ولم تضمر عظامه كذلك, هل ذلك يعبر عن مواد اشعاعيه أكثر تعقيداً استخدمت في اغتيال عرفات؟ لماذا لا يتم محاولة الكشف عن مواد أخرى؟ بالإضافة إلى أن شهادة مفتي القدس الذي قام بتغسيل الراحل عرفات أشار إلى وجود تغيرات عديدة على الراحل عرفات من تضخم حجم الرأس وظهور البقع الرزقاء والحمراء التي غطت جسده ولذا يجب التركيز على هذه الأعراض التي صاحبت عرفات واكتشاف دلالتها على كيفية تم تسميمه وإنهاء حقبته السياسية.
إن قناة الجزيرة الفضائية بهذا التقرير وفى هذا التوقيت لها هدف معين ربما الضغط على القيادة الفلسطينية من خلال توجيه إعلامها في الوقت التي شهدت فيه مدن الضفة الغربية مظاهرات ضد زيارة شاؤول موفاز, رئيس أركان الحرب الإسرائيلي إبان اغتيال أبو عمار والمواجهات التي وقعت بين الشبان والشرطة الفلسطينية. فلربما أرادت الجزيرة تأجيج الشارع الفلسطيني ضد القيادة الفلسطينية الحالية في خضم استعداد السلطة للعودة مجدداً إلى الأمم المتحدة لطلب عضوية كاملة قريباً. والشيء المتفق عليه من قبل الجميع وجميع من عرف عرفات بأنه قتل غدراَ واستشهد على أيدي خارجية وربما أمريكية، فوعد شارون لجورج بوش بعدم المساس بعرفات يعبر عن مدى التوافق ما بين سياسة بوش وشارون وبالتأكيد فأن شارون لم يقدم على أي خطوه بدون موافقة بوش. ربما أن بوش نفسه هو من أعطى أوامر باغتيال عرفات وليس إسرائيل. لقد كان بوش مريضاً بعرفات كذلك.
على القيادة الفلسطينية والتي واجهت الضغوطات العام الماضي بأسلوب لا يعبر عن توافق وطني داخلي أن تبقى في حاله تيقظ من القادم، فالضغوطات القادمة على السلطة الفلسطينية ستكون أكثرها ضربات إعلاميه في محاولة هز القيادة وردعها عن اتخاذ خطوات باتجاه الحصول على مقعد دوله في الأمم المتحدة.
لقد كان على السلطة الفلسطينية الإبقاء على لجنة التحقيق ومنذ الآن ضم العديد من الباحثين في مجال الطب والفيزياء العرب والفلسطينيين من اجل الكشف عن حقائق علميه والتواصل مع نتائج التقرير الاستقصائي للجزيرة.، كما أن عليها التوجه بطلب تشكيل لجنه دوليه لاغتيال الرئيس الراحل وان جاء الطلب متأخراً لكن التحقيق يمكن أن يستمر وان يتم الكشف عن القتلة الحقيقيين لياسر عرفات.
ولأن عرفات كقائد أممي وزعيم شعب يستحق التقدير في أن يشكل غيابه والكشف عن من شارك في تغييبه جسدياً عن الوطن والقضية محوراً لتغيير السياسة الفلسطينية الداخلية والحفاظ على اللحمة الوطنية وعودة النضال الفلسطيني بكافة أشكاله. فعرفات شخصيه نادرة على مدار التاريخ وينبغي أن يتم تناول سيرته وقضيته بشكل جدي وليس بشكل تجارى من اجل التنظير والتأطير والتأثير على قرارات معينه لصالح جهات معينه.
مواضيع ذات صلة
|