الكاتب : هآرتس - مقال - 4/7/2012 | عدد القراءات : 394 | تاريخ المقال : 2012-07-04
بقلم: يغيل ليفي
تعالوا نفترض أنه في مكان ما تعمل مجموعة سرية ترمي إلى توجيه برنامج العمل السياسي بحيث يتم تحطيم ما يسمى «جيش الشعب». إن هذه المجموعة لو وجدت تحتفل الآن بمقدمات انجازاتها. إن طلب الخدمة العسكرية للجميع وتقاسم العبء في ظاهر الأمر تعبير عن ثقافة عسكرية. وهذا الطلب من زاوية مختلفة يُجسد تراجع العسكرية الثقافية في إسرائيل.
إلى ثمانينيات القرن الماضي كانت الطبقة الوسطى العلمانية ترى الجيش حصنا بل ملكاً جماعياً. ومنح الإسهام العسكري هذه الطبقة المجد وسوغ انجازاتها المادية والرمزية وتفوقها على مجموعات أخرى، وجعلها تُعرّف بأنها طبقة «تبني أمة»، وجُندت بلا شرط للحرب الدائمة مع إغماض العين عن خيارات سياسية.
لهذا لم تُظهر هذه الطبقة اهتماماً خاصاً بإقصاء مجموعات أخرى – الإقصاء التام للعرب والحريديين والإقصاء الجزئي وبخاصة عن النواة المحاربة في الجيش للمتدينين واليهود الشرقيين والنساء. وكانت الخدمة العسكرية تُرى ذخرا يؤتي ربحا جيدا للمتمسكين به ولم تكن تُرى عبئا. ولم يكن إبعاد مجموعات مختلفة يُرى انه يُثقل العبء بل كان يُرى انه يُبعد «الآخرين» عن الحلبة التي تُصاغ فيها الإسرائيلية السليمة.
وهكذا الحال أيضاً في جيوش أخرى في العالم حيث عملت مجموعات كثيرة على أن تُقصي عن الجيش ولا سيما ذاك الذي يعتمد على التجنيد الإلزامي، مجموعات أقليات ونساءاً لمنع تغيير صبغة الجيش وهي صبغة كانت تتماهى ورموز مجموعة الأكثرية، ولمنع التقسيم من جديد لموارد المجتمع لأن مجموعات الأقليات تستطيع أن تطلب جزءاً أكبر لخدمتها العسكرية. ولم تؤدِ اعتبارات تقاسم العبء دوراً. وتصبح هذه الاعتبارات ذات شأن حينما تبتعد مجموعة الأكثرية فقط عن الجيش وتضعف تمسكها به حينما تشعر بأن الفائدة من خدمتها العسكرية أخذت تقل.
هذا ما حدث للطبقة الوسطى العلمانية في إسرائيل منذ ثمانينيات القرن الماضي لأسباب شتى المركزي منها هو نشوء المجتمع في إسرائيل ليصبح مجتمع سوق. وفي نفس الوقت عززت المجموعات المُقصاة بالتدريج اقترابها من الحقوق مقطوعا ذلك عن امتحان الخدمة العسكرية، وآنئذ بدأ مصطلح «تقاسم العبء» يُسمع في الخطاب العام.
من وجهة نظر الطبقة الوسطى العلمانية، إذا كانت الخدمة العسكرية عبئاً لا كنزاً فينبغي أن يشارك فيها آخرون أيضاً، وآنذاك سُمع طلب تجنيد الحريديين، والعرب أيضاً بالتدريج. وذلك إلى جانب جهود كثيرين من هذه المجموعة للحصول على إعفاء شخصي والابتعاد في الأساس عن الخدمة القتالية التي تشتمل على الخدمة الاحتياطية أيضاً.
هذا تراجع للعسكرية الثقافية في إسرائيل. فالمجموعة التي ما تزال تملك كثيراً من موارد القوة تحاول أن تُبعد نفسها عن الجيش وان تعرضه بأنه عبء حتى لو كان ثمن ذلك تغييراً ذا شأن لصورته بحيث يُصاغ ليصبح «جيش ضواحي» الأمس. أن طلب تقاسم العبء ليس عسكريا إذا وبخاصة انه لا يختلف عن طلبات أخرى تطالب بتقاسم العبء تنشأ عن روح السوق مثل العبء الضريبي.
بل إن طلب تقاسم العبء يؤخر العسكرية الثقافية أكثر. أن الطلب الذي لا هوادة فيه لتجنيد العرب والأقليات قسرا سيفضي إلى انهيار نموذج التجنيد الإلزامي، وذلك إذا فشل الإجبار وأصبح العبء الملقى على عدد من السكان أقل شرعية مما كان في الماضي وحتى لو كان الإجبار ناجعاً. إن روح الجيش الإسرائيلي المؤسسة، وهو تعبير واضح عن العسكرية الإسرائيلية، كانت في أن الجنود يُدعون إلى الخدمة الإلزامية لكنهم يأتون كمتطوعين. وتريد الحركة التي تعارض العسكرة لطالبي تجنيد العرب والحريديين قسراً إن تضعضع هذه الروح العامة.