الكاتب : هآرتس - مقال - 4/7/2012 | عدد القراءات : 356 | تاريخ المقال : 2012-07-04
بقلم: تسفي برئيل
«هل كنت تؤجر عربيا شقة؟»؛ «هل كنت تؤجر عربياً خدم في وحدة مختارة، شقة؟». إن الإجابة المتشابهة عن هذين السؤالين تعرض الخدعة الكبيرة التي تسمى «بوتقة صهر الجيش الإسرائيلي»، برمتها. ليس الجيش فقط جسما أنشأته الدولة لحماية حدودها، بل هو وكيل اجتماعي (واقتصادي) خولته الدولة صلاحيات منح نعت المواطنة الجيدة. فالحقوق الأساسية كمخصصات التأمين الوطني وأماكن العمل المفضلة، والأجرة الدراسية المتدرجة، تُحدد بحسب الإشارة المناسبة في الاستمارة التي فيها السؤال الذي يُفرق بين مواطنين أخيار وأشرار وهو «الخدمة في الجيش». وتحدد قائمة الحقوق هذه أصلاً أيضاً المكانة الاجتماعية والاقتصادية إلى يوم موت المواطن.
والنتيجة هي أن الخدمة في الجيش الذي حظي بالمهمة الوطنية التي هي أنشاء مواطن إسرائيلي جديد مصهور، يمتزج في كيانه كل الثقافات والهويات في هوية واحدة، قد أصبح هو نفسه آلة تصنيف عظيمة تقرر من يستحق نعت مواطن ومن لا يستحقه. ومن لم يجتز في آلة التصنيف يُطرح في حاويات القمامة المدنية. وتعمل آلة التصنيف على العرب بصورة أكثر اعوجاجاً، فهم في البداية يُصنفون ما بين عرب أخيار – الدروز والشركس والبدو – يخدمون في الجيش، وعرب أشرار – وهم الباقون جميعاً. لكن حينما يُسرحون من بوتقة الصهر يعودون ليصبحوا «عرباً» لا تساعدهم الخدمة في الجيش على استئجار شقة في حي يهودي.
لكن من الذي يتحدث أصلاً عن «صهر» العرب في المجتمع الإسرائيلي؟ فقد حل محل هذا المصطلح مصطلح «التساوي في العبء». فطلب «التساوي في العبء» يُسمع بصورة أفضل وليس مهدداً مثل «بوتقة الصهر»، التي قد تنشئ صنفاً مسموماً من عرب يشبهون اليهود، وهو يشبه لحافاً يستطيع كل المواطنين أن يشعروا تحته لا بأنهم متساوون في واجباتهم بل يضاف إلى ذلك أيضاً أن يجربوا «التجربة الشعورية الإسرائيلية» المازجة.
يحاول هذا التصور زيادة على التناقض الراسخ فيه – لأن من يطلب ذلك يقرر في واقع الأمر أن إسرائيل هي دولة كل مواطنيها ولهذا فإنها لا تستطيع بعد ذلك أن تتمسك بشعار «دولة يهودية وديمقراطية» – يحاول أن يلغي قسراً الفروق الحضارية والعرقية والعقائدية التي تميز مجتمعاًً متعدد الثقافات، مجتمع تعترف فيه الأكثرية بالفروق الراسخة بينها وبين الأقليات فيه، دعْ أن ذلك المجتمع قد أسهم إسهاماً كبيراً في التمايز القومي لتلك الأقليات.
أن ما يصح على العرب يصح على الحريديين أيضاً. والفرق بينهما هو في صورة نظر الإجماع الإسرائيلي اليهودي إليهما. فالمجتمع اليهودي في إسرائيل مستعد لأن يتحمل بل أن يؤيد عدم خدمة العرب في الجيش في حين يُرى رفض اليهود الحريديين الخدمة في الجيش خيانة للوطن وخطيئة على المواطنة. لأن عدم رغبة العربي في الدفاع عن يهودي أمر «طبيعي» لكن من غير المحتمل أن يرفض يهودي الدفاع عن يهودي. ولهذا يجوز أيضاً أن نرتاب في أن التخلي للعرب عن الخدمة العسكرية غير متصل فقط بتصنيفهم على أنهم طابور خامس بل يتصل أيضاً بصورة تعزيزهم لشعور الوحدة اليهودية في إسرائيل. وهنا يكمن تناقض منطقي أصعب: فالذين يطالبون بترك العرب وشأنهم يُعظمون ويؤبدون تمايزهم، والذين يطلبون ان يشملهم قانون الخدمة الإلزامية قد يصدم سور عداوة تُغذي التمايز أكثر. وستكون كلفة التساوي في العبء في الحالتين غير محتملة.
يمكن التغلب على هذا التناقض المنطقي بطريقتين، فبدل الحديث عن التساوي في العبء أو عن «الخدمة الوطنية» يحسن أن يتم تبني تعبير «التكافل المدني». وليس الحديث عن خدعة لغوية بل عن نقل مركز الادعاء على العرب من «عدم الولاء للدولة» إلى طلب المشاركة بين المواطنين. لكن العلاج الجذري سيأتي مع تغيير التصور لجوهر الجيش وصبغته وهو تغيير لا يتعلق بالعرب بل باليهود خاصة، وهو يقتضي إنشاء جيش مختص تتعلق مكانته الجليلة بقدراته على مجابهة تهديدات من الخارج لا بقدراته باعتباره وكيلا اجتماعيا أو تربويا، ويكون جيشا يغربل في حرص في صفوفه وأجوره المستحقين والمطلوبين، ولا يكون بوتقة يُوسم بها الوعي المدني أو الهوية الجماعية.