اللاجئون الفلسطينيون وبؤس «الحل الأوروبي»
* د. محمد خالد الأزعر
* كاتب وأكاديمي فلسطيني
مازال اللاجئون الفلسطينيون في العراق يعانون توابع الغزو الأنجلو أمريكي منذ عام 2003م, فبعيد احتلال بغداد داهم سفهاء بعض الميليشيات العراقية حي البلديات الذي تقطنه أكثرية اللاجئين, وعاثوا في سكانه مطاردة وترويعاً وقتلاً, بزعم أنهم كانوا متناغمين أو متواطئين مع نظام صدام حسين.
فلما تكررت تلك المباغتات اللا مسؤولة ـ حتى لا تقول الإجرامية ـ اضطر اللاجئون للبحث عن ملاذات عربية آمنة أخرى بالجوار, حينها سدت في وجوههم الحدود, فأكرهوا على المكوث حيث انتهى بهم الترحال في مخيمات صحراوية موحشة, محاصرين بين أقارب يتجهمونهم ويتنكرون لهم وطبيعة قاسية لم تكن رحيمة بهم.
وقتذاك, ضاقت الأرض العربية بما رحبت على مجرد بضعة مئات من أبناء الأسر الفلسطينية الذين ساقتهم الأقدار إلى تلك المحنة الشديدة, ولما بلغت قلوبهم الحناجر استجابوا مرغمين ومعتصرين بالحزن لنداءات منظمات أوروبية ودولية معنية بشؤون اللاجئين, عرضت عليهم اللجوء إلى دول أوروبية وأمريكية لاتينية.
وكان أن غادر 120 منهم مخيم الرويشد على الحدود العراقية الأردنية إلى البرازيل, ورحل عدد أكبر من مخيم التنف على الحدود العراقية السورية إلى بعض الدول الأوروبية كألمانيا والسويد وإيطاليا, فما الذي حدث مع هؤلاء وهؤلاء؟
يؤكد التقرير ذات الصلة أن أحوال مجموعة لاجئي البرازيل لم تصبح بأفضل مما كانت عليه في الرويشد, فأوضاعهم مزرية ولم تتهيأ لهم أدنى متطلبات الحياة, وهم غارقون في الفاقة والعوز, تطحنهم الأمراض بدون أية نصرة صحية, ويتعرضون بين الحين والآخر لمداهمات الشرطة التي تلقى ببعض الأسر منهم إلى قارعات الطرق لعدم تمكنهم من سداد إيجارات الشقق البائسة التي حشروا فيها.
وبدلاً من أن يندرج الأطفال منهم في سلك التعليم, تراهم يحاولون مساعدة آبائهم العاطلين بالدخول في سوق العمل الرديء كبيع الخبز, ولقد بحت أصواتهم جراء الشكاوى إلى المفوضية السامية للاجئين والحكومة البرازيلية ولا من مجيب, والمحصلة أنهم يناشدون من لديه سمع وبصر وضمير مساعدتهم على الانتقال إلى بلد آخر, رأفة بهم من مجتمع لم يتكيفوا معه ولم يحسن وفادتهم.
ولا تقل أوضاع الأسر التي لجأت إلى أوروبا عن ذلك زراية وبؤساً, تقول شهادة موثقة نشرتها حديثاً الشبكة الأوروبية الدولية للحقوق والتنمية أن الأسر التي استقبلتها إيطاليا, وعدد أفرادها 170 لا أكثر, تعرضت منذ وطأت أقدامها ذلك البلد إلى أعمال من التعذيب والتحرش الجنسي بالأطفال والاغتصاب الجماعي لبعض النسوة والقتل تحت سمع وبصر الشرطة وعلم السلطات الحكومية.
ويمضي التقرير إلى أن اللاجئين الذين أسكنوا في بيوت مصادرة من عصابات المافيا في بلدة كالبيرا, أصبحوا هدفاً سهلاً لرجال من العصابات ساموهم سوء العذاب, وفي واقعة مفجعة عثر على واحد من اللاجئين وقد فقئت عيناه وقتل شقناً وعلى على شجرة.
هذا علاوة على المقاطعة التي فرضت ضد اللاجئين, حتى إن المتاجر والمستشفيات ومختلف المؤسسات لا تجرؤ على التعامل معهم, وعليه راح اللاجئون يهربون ويهيمون على وجوههم. بحثاً عن ملاذات وملاجئ أخرى ربما تحسن وفادتهم.
بالتوازي والتزامن مع هذه الأخبار المقبضة, كشف النقاب عن قيام وزارة الداخلية الألمانية بإصدار قانون يقضي بعدم صلاحية وثائق السفر اللبنانية الممنوحة للاجئين الفلسطينيين المقيمين في ألمانيا ابتداءً من 1 (نوفمبر) تشرين الثاني 2011م وأن دوائر الأجانب الألمانية سوف تمنح لهم وثائق بديلة من لدنها: توضع عليها تأشيرات الإقامة مع سحب الوثائق اللبنانية نهائياً, علماً بأن هذه الإجراءات لن تكون اختيارية, وليس على من يرفضونها سوى مغادرة ألمانيا على الفور.
والحق أن هذه الخطوة تبدو مثيرة للريبة, فإذا لاحظنا أن عدد الفلسطينيين في ألمانيا يقارب المئة ألف, وأن معظمهم قادم من مخيمات اللاجئين في لبنان, فإن الحديث عن مساهمة ألمانية في مؤامرة لتقليص أو تذويب قضية اللاجئين الفلسطينيين يبدو معقولاً ومبرراً.
المفارقة هنا, انه في الوقت الذي تساعد فيه ألمانيا الأوروبية على تطبيق الحل الصهيوني لهذه القضية عبر السعي إلى «ألمنة اللاجئين». نجد أن إيطاليا الأوروبية أيضاً تتولى تطفيشهم وممارسة أبشع أنماط الترويع والترهيب بحقهم.
وفي إطار معطيات كهذه, حتماً سيجد اللاجئون أنفسهم أمام السؤال المصيري الذي مفاده. ما الضمانة لئلا يمتد أسلوب التعامل المافيوي الإيطالي إلى لاجئي ألمانيا ولو بعد حين؟
الشاهد أن اللاجئين الفلسطينيين يعيشون في متوالية لعينة من اللجوء, مفعمة بأسباب الإهانة وانتهاك الآدمية, وأبسط حقوق الإنسان, يحدث هذا بنسب ومعدلات متفاوتة في بلاد العرب وبلاد العجم, وهو ما يؤكد الحكمة القائلة بأن أفضل الحلول لقضية اللجوء واللاجئين فلسطينيون كانوا أم من أي قوم آخرين, هو الذي يضمن لهم حق العودة إلى الوطن الأم.
في اليوم العالمي للطفل...
أطفال فلسطين أرقام وإحصاءات
*بلال الشوبكي
*كاتب فلسطيني
أصدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تقريراً حديثاً بمناسبة اليوم العالمي للطفل الذي يوافق 20 تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام، أكد فيه معاناة الطفل الفلسطيني من ارتفاع معدلات الفقر وسوء التعليم.
وأوضح التقرير أن نسبة الأطفال الذين يعانون من حالة الفقر في الأراضي الفلسطينية يشكلون26,9% من مجموع الأطفال خلال عام 2010م, وأن معدل الفقر بين الأسر الفلسطينية بلغ وفقاً لأنماط الاستهلاك 21,4% في عام 2010م, 16,0% في الضفة و 31,9% بغزة.
وأشار تقرير الجهاز المركزي للإحصاء إلى ارتفاع الفقر بين أسر قطاع غزة التي لديها أطفال إلى 53,8 % مقابل 46,2% هي الضفة, موضحاً أن حوالي 65 ألف طفل, 6,0% من إجمالي عدد الأطفال في الفئة العمرية 5ـ14 سنة هم أطفال عاملون سواء بأجر أو بدون أجر عام 2010م, 8,0% في الضفة و3,1% في غزة, ومن الواضح أن نسبة الأطفال الذكور المنخرطين في العمل هي الأعلى 7,7 % مقارنة بالأطفال الإناث 4,2%.
مرحلة التعليم
وبلغت نسبة الأطفال الملتحقين بالمدرسة والمنخرطين أيضاً في عمالة الأطفال 5,6% , 7,5% في الضفة, و3.0% بغزة, وبلغت 7,2% بين الأطفال الذكور الملتحقين بالمدرسة مقابل 4,0% بين الإناث.
فيما بلغت نسبة التسرب في مرحلة التعليم الأساسي في العام الدراسي 2009/2010م, 1,0% بين الذكور مقابل 0,7% بين الإناث, وفي المرحلة الثانوية بلغت هذه النسبة 1,9% بين الذكور مقابل 2,1% بين الإناث.
من جهة أخرى, بلغت نسبة الرسوب في مرحلة التعليم الأساسي في العام الدراسي 2009/2010م, 1,8% بين الذكور و1,6% بين الإناث, أما في مرحلة التعليم الثانوي فبلغت هذه النسبة 1,2 % بين الذكور و1,0% بين الإناث.
صحة ووفيات
وذكر الإحصاء أن 1,5% من الأطفال في الأراضي الفلسطينية لديهم إعاقات عام 2011م 1,6 % في الضفة و1,4% في قطاع غزة. أما بالنسبة لتوزيع الإعاقة حسب الجنس فهناك 1,8% من الأطفال الذكور هم ذوو إعاقة مقابل 1,3% من الإناث.
وأرجع السبب الرئيس لحدوث الإعاقة بين الأطفال للأسباب الخلقية بنسبة 29,6%, 31,4% في الضفة و1,4% في قطاع غزة, أما بالنسبة لتوزيع الإعاقة حسب الجنس فهناك 1,8% من الأطفال الذكور هم ذوو إعاقة مقابل 1,3% من الإناث.
وأرجع السبب الرئيس لحدوث الإعاقة بين الأطفال للأسباب الخلقية بنسبة 29.6% 31,4% في الضفة و 26,5% في القطاع, تليها الأسباب المرضية 24.0%,25,3% في الضفة و 21,6% بغزة.
ولفت إلى آن 19,4% من الأطفال في العمر 6ـ 59 شهراً في الأراضي الفلسطينية مصابون بفقر الدم عام 2010م, 13,4% في الضفة مقابل 25,6% بغزة.
وبالنسبة للوفيات, هناك 20,6 حالة وفاة بين الأطفال الرضع لكل ألف ولادة حية عام 2010م في الأراضي الفلسطينية, 18,8 في الضفة مقابل 23,0 بغزة, وبلغت هذه المعدات 23,3 لكل ألف ولادة حية بين الذكور مقابل 17,8 بين الإناث.
من جانب آخر، بلغ معدل وفيات الأطفال دون الخامسة 25.1 لكل ألف ولادة حية في الأراضي الفلسطينية، 22.1 في الضفة مقابل 29.2 بغزة، وبلغت هذه المعدلات 29.2 لكل ألف ولادة حية بين الذكور مقابل 20.9 بين الإناث.
أرقام متفرقة
وبخصوص الحالة الزواجية للأطفال في الفئة العمرية 12ـ17 سنة, فقد بلغت نسبة الأطفال المتزوجين 0.9% 1,6% للإناث و 0,2% للذكور.
أما على مستوى المنطقة, فكانت في الضفة 0,3% للذكور و 1,2% للإناث، وفي قطاع غزة فكانت 0.1% للذكور و2.1% للإناث في الفئة العمرية نفسها.
وأشار الإحصاء إلى أن عدد الأفراد الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة بلغ 2 مليون طفل أي ما نسبته 48,2% من مجموع السكان في الأراضي الفلسطينية للعام 2011م, 46,1% بالضفة , 51,5 % بغزة.
وقال: إن التركيب العمري للمجتمع الفلسطيني عامة وللأطفال خاصة يشير إلى أن المجتمع الفلسطيني ما زال فتياً.
وأضاف أن الأطفال دون سن الخامسة يشكلون ما نسبته 14,7% من مجموع السكان المقيمين في الأراضي الفلسطينية, و 13,4% للأطفال في الفئة العمرية 5ـ9 سنوات, و12,7% في الفئة العمرية 10ـ14 سنة و 7,3% في الفئة العمرية 15ـ17 سنة.
وأظهر أن حوالي 0, 45% من الأطفال أقل من 18 سنة في الأراضي الفلسطينية من اللاجئين, 28,5% في الضفة الغربية مقابل 68,8% في قطاع غزة.
الدولة العبرية في عام الربيع العربي.. حصاد 2011م
* محمود صبري
* باحث متخصص في الشؤون الإسرائيلية
ما من شك أن عام 2011م الذي يسدل عليه الستار خلال أيام معدودة قد شهد العديد من الأحداث الكبرى التي غيرت ـ ولازالت ـ وجه المنطقة بأسرها، والتي كان أبرزها ثورات الربيع العربي، تلك الثورات الشعبية التي حطمت كل الثوابت والمتغيرات في المنطقة.
وبطبيعة الحال, لم تكن إسرائيل ـ تلك النبتة الشيطانية بالمنطقة ـ بمنأى عن تلك التطورات, حيث شهدت هذا العام هي الأخرى الكثير من الأحداث, بما في ذلك موجات احتجاج جماهيرية ناجمة عن التفاوت الاجتماعي واللا مساواة, بشكل يتناقض مع ما يزعمه ذلك الكيان من ديمقراطية, ناهيك عن الانشقاقات السياسية التي تحركها المصالح الشخصية, والفساد والانحلال الأخلاقي. وسنتناول في هذا التقرير رصد تحليلي لأهم الأحداث التي شهدتها الدولة العبرية خلال عام 2011م:
1ـ تفاوت اجتماعي واحتجاجات وإضرابات:
لم تكن الدولة العبرية بمعزل عن موجة الثورات الاجتماعية والسياسية التي اجتاحت المنطقة (والعديد من الدول في العالم), حيث شهدت هي الأخرى موجة احتجاج هي الأكبر في تاريخها, والتي بدأت بمظاهرات فئوية وإضراب للأطباء والإخصائيين الاجتماعيين في شهر (إبريل) نيسان الماضي, مطالبين برفع الأجور وتحسين مستوى المعيشة.
وكانت هذه الاحتجاجات مجرد بداية للاحتجاج الأكبر «احتجاج الخيام», حيث نصب مئات الشباب الصهاينة في 15 (يوليو) تموز 2011م خيامهم بشارع روتشيلد في «تل أبيب», وذلك احتجاجاً على الارتفاع الحاد في أسعار العقارات داخل الكيان. وهو الاحتجاج الذي بدأ على شبكة التواصل الاجتماعي «الفيس بوك» على خلفية تراجع ظل تقليص حكومة الاحتلال الإنفاق على الخدمات العامة.
وأبرز ما يلاحظ على هذه الاحتجاجات أنها لم تطالب بإجراء تغيير في الحياة العامة في إسرائيل، ولم تطالب بالمساس بالشأن السياسي أو منظومة العمل الحزبي داخلها, كما بقي الأمن بعيداً عن متناول المطالبين, واكتفى المحتجون بالدعوة لإجراء بعض التقليصات في ميزانيات الأمن, لصالح مرافق اقتصادية ـ اجتماعية معينة, بحيث لا تؤثر على الأمن ذاته.
وكان السبب الرئيسي لهذا الاحتجاجات هو تراجع الطبقة الوسطى في إسرائيل خلال العقدين الأخيرين في أعقاب تأكل مستمر لرواتب ودخول أبناء تلك الطبقة نتيجة السياسات الاقتصادية التي اتبعها حكومات الاحتلال المتعاقبة, خاصة حكومة بنيامين نتنياهو الداعمة لخصخصة القطاع العام, ومن ثم ظهرت طبقة رأسمالية فاحشة الثراء في مقابل طبقة متوسطة أكثر قرباً من خط الفقر.
وفي محاولة من نتنياهو لإيجاد حلول للأزمة, فقد أمر بتشكيل لجنة سمتي بـ «لجنة تراختنبيرج»، والتي بحثت جذور أزمة الاحتجاج الاجتماعي, وذلك عبر دراسة السكن وتكاليف المعيشة والقدرة التنافسية, والخدمات الاجتماعية, والضرائب.
وأوصت اللجنة بضرورة اتخاذ عدة تدابير لزيادة عدد المعروض من الشقق ومن ثم عودة أسعار المساكن إلى مستويات معقولة, إلا أن نتنياهو فشل في حشد الأغلبية المطلوبة لإقرار توصيات لجنة تراختنبرج, على الرغم من الضغوط الهائلة التي مارسها على أعضاء حكومته لتمرير تلك الإصلاحات والتوصيات.
ولما فشل نتنياهو في إقرار هذه التدابير والتوصيات لجأ إلى الحل الأسهل وهو استقطاع المزيد من الأراضي الفلسطينية, فالفرصة أمامه أصبحت سائحة لاحتلال مزيد من الأراضي, مبرراً ذلك أمام العالم بأن هناك احتياجاً لمزيد من الأراضي لإسكان مواطنيه المحتجين.
وكانت صحيفة « يديعوت أحرونوت» العبرية قد ذكرت في عدد 7 (سبتمبر) أيلول 2011م أنه في الوقت الذي يحتدم فيه النزاع الدبلوماسي في الأمم المتحدة حول المطلب الفلسطيني بالاعتراف بالدولة الفلسطينية, اعتمدت اللجنة الإقليمية الإسرائيلية للتخطيط والبناء إقامة 1100 وحدة سكنية في حي جيلو فيما وراء الخط الأخضر.
وأفادت الصحيفة أيضاً في عددها بتاريخ 24 (أكتوبر) تشرين الأول 2011م أنه من المتوقع المصادقة على بناء حي جديد فيما وراء الخط الأخضر بمنطقة جفعات هماطوس جنوبي القدس المحتلة, وهذه هي المرة الأولى التي يقام فيها حي جديد خارج الخط الأخضر منذ إقامة حي هار حوما في عام 1997م, وهذا ليس بالأمر الغريب لأن حكومة نتنياهو أيضاً هي التي أقامت حي هار حوما, وأثارت ضجة شديدة في حينه.
وفي السياق ذاته, ذكرت صحيفة هآرتس بتاريخ 18 (نوفمبر) تشرين الثاني 2011م أنه تم البدء في بناء 2000 وحدة سكنية أخرى في القدس الشرقية وبالمستوطنات في الضفة الغربية (معاليه أدوميم وجوش عتيسون), وذلك بزعم الرد على اعتراف اليونسكو بالدولة الفلسطينية. كما أقدم الاحتلال على جريمة مصادرة 1500 دونم من الأراضي الفلسطينية شمالي غور الأردن وضمها لإسرائيل ووضعها تحت تصرف كيبوتس ميراف التابع للمجلس الإقليمي عميق همعيانوت بمنطقة هجلبوع.
ما سبق يشير بما لا يدعو مجالاً للشك إلى أن إسرائيل تستغل أزماتها الداخلية لفرض مزيد من الأمر الواقع لصالح مخططاتها التوسعية على حساب الحقوق الفلسطينية في الأرض المحتلة, وأنها تحاول تسويق أنها دولة تعاني من أزمات اجتماعية, ومن ثم فلا يحق للأطراف الدولية أن يطالبونها بالانسحاب إلى حدود ما قبل الرابع من (يونيو) حزيران 1967م, في ظل ما يرون ويسمعون من معاناة الاحتلال من أزمة السكن.
2ـ حرب جواسيس وصفقات تبادل أسرى:
ويأتي ملف الجواسيس الذي تم إلقاء القبض عليهم, ليكون أحد أهم الأحداث التي مرت بدولة الكيان الصهيوني في خلال العام المنصرم, فقد لحقت إسرائيل هزائم مخابراتية خلال هذا العام, وذلك بعدما تمكنت سلطات الأمن المصرية في مطلع عام 2011م من إلقاء القبض على قيادات بإحدى شركات المحمول يعملون لصالح إسرائيل عن طريق تمرير مكالمات دولية لمسؤولين مصريين بارزين ورجال أعمال وموظفين في أماكن حساسة بالدولة, بطريقة غير شرعية باستخدام أجهزة في مصر عن طريق سويتش في أمريكا وأجهزة استقبال في إسرائيل، وهي القضية التي أثارت ضجة شديدة داخل القطر المصري.
ولم يتوقف الأمر على مصر فقط, فقد ذكرت صحيفة «هآرتس» في 12 (مايو) أيار 2011م أن روسيا طردت الملحق العسكري الكولونيل «فاديم ليدرمان» من سلاح الجو بتهمة التجسس حيث استجوبته السلطات الروسية حول اتهامات بالتجسس, وطلبت منه مغادرة البلاد على الفور, وأضافت «هآرتس» أن الملحق العسكري اعتقل في مقهى حيث كان مع مواطن روسي, مشيرة إلى أن «الروس اشتبهوا بقيامه بتجنيد عملاء محليين».
ولم يمض شهر واحد من هذا التاريخ واعتقلت السلطات المصرية المواطن الإسرائيلي ـ الأمريكي إيلان تشايم جراييل في 12 (يونيو) حزيران 2011م بتهمة التجسس لحساب الموساد الإسرائيلي, ومحاولة الإضرار بأمن الدولة وحشد الشباب لإشعال نيران الفتنة الطائفية في مصر خلال أحداث ثورة 25 (يناير) كانون الثاني وما تلاها من تطورات.
وجرابيل لم يستمر طويلاً رهن الاعتقال لدى السلطات المصرية, ففي أعقاب التنفيذ الناجح للمرحلة الأولى من صفقة تبادل الأسرى بين المقاومة الفلسطينية بزعامة حماس وسلطات الاحتلال الصهيوني, وكان الاتفاق أن يتم إطلاق سراح 1027 أسيراً فلسطينياً على مرحلتين, ولما تم تنفيذ المرحلة الأولى في 18 (أكتوبر) تشرين الأول 2011م, اتفقت كل من مصر وإسرائيل على سراح الجاسوس «إيلان جرابيل» مقابل 25 سجيناً مصرياً, من بينهم ثلاثة أحداث.
ويبدو أن صفقة جرابيل لن تكون الأخيرة, حيث كتب الصحفي الإسرائيلي «آريك بندر» في «معاريف» في عددها 27 (أكتوبر) تشرين الأول 2011م مقالاً تحت عنوان«إعادة جرابيل لإسرائيل: تقارير في مصر تتحدث عن صفقة لإطلاق سراح ترابين»، وجاء في المقال: إنه في أعقاب رد محكمة العدل العليا للالتماسات التي تم تقديمها للمحكمة لإيقاف صفقة مبادلة جرابيل مقابل سجناء مصريين, ذكرت عناصر مصرية أن هناك صفقة جديدة تتم بلورتها بين مصر وإسرائيل يتم بموجبها إطلاق سراح عودة ترابين ـ البدوي المسجون في مصر منذ 11 عاماً, مقابل سجناء مصريين آخرين.
وكان حزب الله اللبناني قد كشف في 3 (يونيو) حزيران 2011م عن نجاح جهاز مكافحة التجسس في المقاومة اللبنانية في ضبط ثلاث عملاء للاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA), والذين تم زرعهم في حزب الله للتجسس لحساب إسرائيل، حيث قال نصر الله: إن استعانة الكيان الصهيوني بعملاء من «السي أي إيه» يدل على عجز إسرائيل عن اختراق بنية حزب الله.
3ـ فساد مسؤولين وفضائح أخلاقية:
على الصعيد الأخلاقي, بدأ هذا العام بإدانة الرئيس الإسرائيلي السابق «موشيه كتساف» بتهمة الاغتصاب وارتكاب جرائم جنسية, وردت المحكمة العليا الاستئناف الذي قدمه إليها للطعن في إدانته بارتكاب سلسلة من الجرائم الجنسية الخطيرة, وهو الحدث الذي اعتبره المحللون الإسرائيليون الأسوأ في تاريخ الدولة, وقد قال كتساف بعد إدانته ورد استئنافه والحكم عليه بالسجن لسبع سنوات, في سياق مقابلة مع صحيفة «معاريف» 16 (نوفمبر) تشرين الثاني 2011م: «ملعون أبو اليوم الذي تم به اختياري لأكون رئيساً لإسرائيل».
لم تقتصر الفضائح على المسؤولين المدنيين, وإنما امتدت لجيش الاحتلال الإسرائيلي نفسه, حيث كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» في 22 (يوليو) تموز 2011م النقاب عن قضية أخلاقية مشينة بطلها قائد في مركز تدريب 1, حيث كان يتنصت على المجندات في المرحاض, وقد تم إيقاف الضابط والتحقيق معه.
هذا ولم تكن الفضائح الجنسية هي الآفة الوحيدة في المجتمع الإسرائيلي المتهلل من داخله, فهناك أيضاً الفساد السلطوي واستغلال النفوذ, حيث كانت أبرز القضايا التي طرحت على الساحة هي إلغاء مجلس الوزراء الإسرائيلي في (فبراير) شباط، تعيين رئيس الأركان العامة للجيش «يوآف جالانت» بعد ثبوت تهمة الفساد والاستيلاء على أراضي الدولة والتعدي على قوانين التنظيم والبناء, واعتراف رئيس الوزراء السابق «إيهود أولمرت» في حديث لصحيفة «يديعوت أحرونوت» 31 (مايو) أيار 2011م بأن «شارون وابنه كانا يستوليان على كل شيء».
نتنياهو أيضاً لم يكن بمنأى عن الفساد السلطوي والمخالفات المالية, والمقصود هنا هو قضية «بيبي تورز» حيث تم توجيه الاتهام إلى نتنياهو بأنه ارتكب مخالفات فساد تتعلق بسفرياته إلى الخارج, وتفيد الشبهات بأن نتنياهو تلقى تمويلاً مزدوجاً لسفرياته من أكثر من جهة حكومية تحت البند نفسه.
4ـ انشقاقات سياسية:
وبالنسبة للملف السياسي, فقد بدأ إيهود باراك ـ وزير الحرب ـ هذا العام بالإعلان عن انشقاقه عن حزب العمل هو وأربعة وزراء آخرين من نواب حزب العمل, وتأسيس حزب جديد أسماه «الاستقلال»، في خطوة كان الهدف منها هي إضعاف حزب العمل وتقوية ائتلاف نتنياهو, وهو ما حدا برئيس الوزراء نتنياهو أن يقول: «إن الحكومة باتت أكثر قوة كثيراً في إدارتها واستقرارها, وهذا هو المهم بالنسبة لإسرائيل»، مشيراً إلى أن «العالم أجمع والفلسطينيون يعلمون أن هذه الحكومة ستظل موجودة خلال السنوات القليلة المقبلة, وأن هذه الحكومة هي التي ستتفاوض للسلام».
ويرجع انشقاق باراك عن الحزب إلى الضغوط التي مارسها أعضاء حزب «العمل« عليه فيما يتعلق بالسؤال متى ينسحب حزب «العمل» من حكومة نتنياهو, وهذا بعد أن أشارت كل التقديرات في حينه إلى أن الحزب سيصبح ضمن المعارضة ليبقي حكومة نتنياهو تحت ضغط أحزاب اليمني الإسرائيلي وبدعم 61 عضواً في الكنيست الإسرائيلي, إلا أن باراك فضل مصلحته الشخصية عن مصلحة حزب العمل الذي توقع آخر استطلاع للرأي قبل إعلانه عن انشقاقه في 17 (يناير) كانون الثاني 2011 م أنه في حال إجراء انتخابات الكنيست سيحصل على 7 مقاعد فقط, وهكذا وجد باراك أن من مصلحته البقاء كوزير للحرب والحفاظ على تماسك حكومة نتنياهو تأسيس حزب جديد يضم 4 نواب كنيست, عسى أن ينفعه هذا التحرك في الانتخابات المقبلة.
5ـ منظومات صواريخ وقبة حديدية:
عسكرياً, لا يزال الهاجس الأمني والمخاوف الإسرائيلية من التهديدات الداخلية والخارجية, وعلى رأسها إيران وحزب الله, هي المحرك الرئيسي الذي يدفع الصناعة العسكرية للتطوير الحربي في محاولة لإحداث التفوق العسكري النوعي والكمي, وخاصة في مجال تطوير منظومات دفاعية قادرة على التصدي للصواريخ طويلة وقصيرة المدى.
وفي هذا الصدد, استطاعت إسرائيل هذا العام تطوير منظومة الصواريخ حيتس 2ـ حيث أجرت الولايات المتحدة وإسرائيل تجربة ناجحة على هذه المنظومة الصاروخية إسرائيلية الصنع في (مارس) آذار الماضي, على الساحل الغربي للولايات المتحدة الأمريكية قبالة سواحل كاليفورنيا.
ووفقاً لما نشرته صحف ووسائل إعلام عبرية, فإن الصاروخ حيتس 2 المعدل نجح في التعرض لصاروخ باليستي تم إطلاقه من سفينة في عرض البحر, وقد اعتبرت الولايات المتحدة وإسرائيل أن هذه التجربة الناجحة التي أسقطت الصاروخ البالستي سيكون لها تأثير كبير على التعامل مع الصواريخ البالستية, خاصة في منطقة الشرق الأوسط, فيما اعتبر باراك ـ وزير الحرب الصهيوني ـ أن نجاح هذه التجربة يعد تطوراً مهماً في مواجهة التهديدات الإيرانية, كون منظومة صواريخ حيتس 2 وجدت للتعامل مع صواريخ «شهاب3»، وكذلك «سجيل 2»، بالإضافة إلى صواريخ «سكاد» التي بحوزة سوريا.
منظومة صاروخية أخرى دخلت هذا العام مرحلة التشغيل بجيش الاحتلال, وهي منظومة القبة الحديدية, وهي عبارة عن نظام دفاع جوي متحرك طور من قبل شركة رفائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة, والهدف منه هو اعتراض الصواريخ قصيرة المدى والقذائف المدفعية, في إشارة واضحة إلى الصواريخ والقذائف التي تطلقها المقاومة الفلسطينية على الأهداف والمغتصبات الصهيونية.
يشار إلى أن تاريخ تلك المنظومة يرجع إلى شهر (فبراير) شباط 2007م عندما اختار وزير الحرب السابق عامير بيرتس نظام القبة الحديدة كحل دفاعي لإبعاد خطر الصواريخ قصيرة المدى عن إسرائيل، ومنذ ذلك الحين بدأت شركة رفائيل تطور النظام الذي بلغت كلفته 210 ملايين دولار بالتعاون مع جيش الحرب الإسرائيلي, وكان من المقرر أن يدخل الخدمة في منتصف عام 2010م إلا أن هذا الموعد تأجل مرة أخرى بسبب مشاكل فنية وعيوب تقنية. وقد أجريت تجربة ناجحة لهذه المنظومة في (إبريل) الماضي. واستطاعت اعتراض ثلاثة صواريخ جراد بنجاح, وبحسب إيهود باراك فإنه من المقرر نشر تسع بطاريات من القبة الحديدية في مناطق مختلفة داخل الكيان الصهيوني حتى 2013م.
6ـ عنصرية وتطرف:
العنصرية تضرب بجذروها العميقة في المجتمع الصهيوني, في دولة قامت على نهب وقمع شعب آخر وسلبه حقه في الحياة. وأخذت العنصرية الصهيونية هذا العام أشكالاً جديدة, حيث أطلت علينا برأسها في (ديسمبر) كانون الأول من العام الماضي حين وقع 50 حاخاماً صهيونياً على خطاب يحظر تأجير شقق ومساكن لعرب 48, وأصدروا فتوى صريحة لتكفير من يرتكب تلك الجريمة, بحسبهم, من أجل تهويد الدولة, والتخلص من مواطنيها العرب. ولم يتوقف الحاخامات اليهود عند تكفير من يؤجر مساكن للعرب, وإنما عمدوا إلى تحريض الأطفال في المدارس على قتل الأغيار ـ وهو أي شخص غير يهودي ـ فقد ذكر الموقع الإلكتروني الإسرائيلي نيوز فيرست كلاس في 28 (سبتمبر) أيلول 2011م أن جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) رفض تمويل المدارس الدينية اليهودية المتشددة: التي تبيح قتل الأغيار, في محاولة لتقليل الضرر الناتج عن نشر كتاب «شريعة الملك»، الذي يعد من أخطر وأهم الكتب الصهيونية التي صدرت في السنوات الأخيرة: خاصة أنه يبيح قتل الأطفال الرضع من العرب والمسلمين بدم بارد, وكانت أبرز المدارس التي شملها رفض التمويل مدرسة «يوسف مازال حياً»، وهي المدرسة التي يديرها الحاخام «يتسحاق شابيرا»، مؤلف الكتاب السابق, وتقع المدرسة في مستوطنة يتسهار بالقرب من مدينة نابلس الفلسطينية المحتلة.
وأكد موقع نيوز فرست كلاس أن حاخامات المدرسة والمشرفين عليها يحرضون التلاميذ على الإساءة للدين الإسلامي, والمساجد في القرى العربية المجاورة لمستوطنتهم, ونشر رسوم مسيئة للدين الإسلامي, وكتابة عبارات نابية على جدران تلك المساجد, وقال المحلل السياسي لموقع إيتسيك وولف: إن هذه المدرسة ومدارس دينية أخرى متطرفة بمستوطنة يتسهار تحرض ضد العرب والمسلمين بشكل سافر, وتشجع تلاميذها على ذلك.
وهذا ولم يتجاوز التطرف الإسرائيلي المجندات الإسرائيليات, فقد شهد الجيش الإسرائيلي عدة حوادث تشير إلى الميل للتمييز ضد النساء, منها إجبار مئة مجندة وضابطة بالجيش على الانزواء في مبنى معزول ومنفصل تماماً عن منطقة الرقص للحيلولة دون الاختلاط مع الرجال أثناء احتفال عسكري في قطاع أشكول, وفي احتفال آخر غادر المتدربون أحد المراسم العسكرية, بسبب غناء النساء, كما رفض جنود متدينين العمل تحت إمرة مرشدات وقادة نساء.
كل هذه المظاهر والممارسات المتطرفة تحدث داخل إسرائيل التي تتباهى أمام العالم بأنها دولة الديمقراطية والحرية, وتأكيداً لأن إسرائيل كيان متطرف, فقد ذكرت صحفية «هآرتس» في 2 (نوفمبر) تشرين الثاني 2011م أن إسرائيل تحتل المركز الـ 55 في التفاوت بين النساء والرجال, بحسب مؤشر التفاوت بين الجنسين الذي نشره «المنتدى الاقتصادي العالمي»، حيث تراجعت دولة الكيان على إثر الحوادث السابقة ثلاثة مراكز مقارنة بعام 2010م.
يذكر أن ترتيب الدول يجري وفقاً لقياس الفجوة بين الرجال والنساء في أربعة مجالات رئيسية, وهي: (المشاركة والفرص الاقتصادية, التعليم, الصحة, الممارسة السياسية).
7ـ توتر في العلاقات مع حلفاء الماضي:
حين التعرض لملف السياسة الخارجية الإسرائيلية ما تشهده حالياً من توتر في العلاقات مع الأطراف الدولية, يبرز إلى الذهن مباشرة الأزمة الحاصلة في علاقات الكيان مع تركيا, يليها التوتر الذي شاب العلاقات بين مصر وإسرائيل على خلفية التطورات الأخيرة ومقتل الجنود المصريين بيد قوات الاحتلال الصهيوني واقتحام المتظاهرين المصريين لسفارة الاحتلال في القاهرة.
وفيما يتعلق بالأزمة التركية, فقد احتدمت حدة التوتر بين الطرفين, بعد الهجوم الذي شنته قوات خاصة صهيونية على سفن أسطول الحرية الأول في 30 (مايو) أيار 2010م, وأسفر الهجوم عن مقتل 9 نشطاء أتراك, وزادت حدة التوتر بين البلدين لما رفضت سلطات الاحتلال الصهيوني الاعتذار عن جريمتها, وفاقم من حدة التوتر بين الطرفين بعد صدور التقرير الأممي حول الواقعة, والذي برأ الكيان الصهيوني من الجريمة مما دفع بتركيا إلى اتخاذ مبدأ التصعيد التدريجي في حدة الأزمة مع الكيان الصهيوني, ووصل بها الحال إلى درجة التهديد صراحة بقطع كل العلاقات الدبلوماسية وتعليق كل الاتفاقيات الثنائية بين البلدين.
وقدرت صحيفة «معاريف» العبرية الخسائر التجارية الناجمة عن الأزمة مع تركيا سنوياً بنحو 2,5 مليار دولار, وأعرب رئيس اتحاد الصناعيين الإسرائيليين شرجا بروش عن قلقه من الضرر الذي سوف يقع على العلاقات مع تركيا التي تعتبر شريكاً تجارياً مهماً.
ومن الناحية العسكرية, كان لهذه الأزمة تأثير واضح على الصفقات العسكرية التي وقعتها إسرائيل، بما في ذلك تزويد سلاح الجو التركي بمنظومات استخبارية متقدمة لمقاتلات من طراز (إف 16) بصفقة يقدر ثمنها 140 مليون دولار أمريكي, ناهيك عن المناورات العسكرية التي ألغتها تركيا.
ورغم كل هذه الخسائر الفادحة وخسارة حليف استراتيجي هام في المنطقة, إلا أن إسرائيل لا تزال مصرة على موقفها وترفض الاعتراف بخطئها, والاعتذار عن قتل مواطنين أبرياء بدم بارد.
أما فيما يتعلق بالتوتر في العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية, فيمكن التأكيد أنها نتاج طبيعي لسقوط نظام حسني مبارك, الذي كان أحد أهم وأبرز حلفاء إسرائيل في المنطقة.
ففي أعقاب نجاح الثورة المصرية وتنحي الرئيس السابق مبارك, بدأت الصحافة الإسرائيلية تعبر عن مخاوفها من صعود الإخوان المسلمين لسدة الحكم وانهيار اتفاقية السلام مع مصر والتباكي على السلام الضائع مع الرئيس المخلوع, ثم جاءت التفجيرات المتتالية لأنبوب إمداد الغاز لإسرائيل لتضع العلاقات الإسرائيلية ـ المصرية على المحك.
وما لبث أن قامت إسرائيل بقتل ستة جنود مصريين على الحدود ربما في محاولة منها لجس النبض, ويبدو أنها أخطأت مرة أخرى والتأخر في تقديم عريضة من الشعب المصري, واقتحم الشباب الثائر السفارة الإسرائيلية, وأسقطوا علم إسرائيل، ونجحت قوات الجيش في تهريب السفير الإسرائيلي وأغلب أعضاء البعثة الإسرائيلية لتصل بذلك العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية إلى مرحلة حرجة.
ويبدو أن إسرائيل بعد هذه الواقعة أيقنت أن سياسة الانبطاح التي انتهجها النظام السابق قد ولت ولم يعد لها وجود, وربما يكون ذلك هو ما دفع بإسرائيل إلى تقديم الاعتذار لمصر عن قتل الجنود المصريين على الحدود بين مصر وفلسطين المحتلة, وذلك في محاولة من الكيان للحفاظ على الحد الأدنى من العلاقات الإيجابية مع الطرف المصري حرصاً منها على بقاء هذه الجبهة في حالة هدوء.
8 ـ العضوية الفلسطينية الكاملة في اليونسكو
منيت إسرائيل هذا العام بإخفاق خطير على المستوى الدبلوماسي, وهو الإخفاق الذي ستبكي عليه لأجيال قادمة, بحسب المحللين الإسرائيليين, وهو فشلها في منع حصول فلسطين على العضوية الكاملة في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو), رغم الضغوط الصهيوأمريكية الكبيرة على المنظمة وعلى الدول المشاركة في التصويت.
في 31 (أكتوبر) تشرين الأول 2011م, أعلنت المنظمة رسمياً حصول فلسطين على عدد الأصوات اللازم لإعطاء الفلسطينيين العضوية الكاملة في المنظمة في اقتراع علني, حيث وافقت 107 دول على انضمام فلسطين, ومنحها العضوية الكاملة داخل المنظمة. بينما امتنعت 49 دولة, في حين رفضت 14 دولة فقط انضمام فلسطين.
ورغم أن عضوية فلسطين في اليونسكو تأتي في وقت تشير فيه كافة الدلائل إلى أن فلسطين لن تنجح في الحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة بناء على الطب الذي تقدمت به إلى مجلس الأمن بسبب الفيتو الأمريكي, إلا أن الحصول على عضوية اليونسكو يبقى في النهاية انتصاراً دبلوماسياً كبيراً للإرادة والدبلوماسية الفلسطينية والعربية والإسلامية.
كما أن قيمة هذا الأمر تأتي في ظل كونه أول هزيمة لإسرائيل والولايات المتحدة في الساحة الدولية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية, كما أن اليونسكو لم تكن إلا أول وكالات الأمم المتحدة التي سعى الفلسطينيون للانضمام إليها كعضو كامل منذ أن تقدم الرئيس الفلسطيني محمود عباس بطلب للعضوية الكاملة في الأمم المتحدة يوم 23 (سبتمبر) أيلول 2011م. ويعد هذا النجاح خطوة على أول طريق الدولة الفلسطينية, ودليل آخر على عدالة القضية, وفشل لإسرائيل والولايات المتحدة في إسكات صوت الحق, ومهما تكون العقوبات الاقتصادية المتوقعة على السلطة الفلسطينية, فإنه يتعين على الفلسطينيين الصمود, فالطريق إلى الدولة ليس مفروشاً بالورود.
الاحتجاجات في إسرائيل وتداعياتها.. تقدير استراتيجي
*د. جوني منصور
* مؤرخ وباحث فلسطيني
كان (يوليو) تموز 2011م ملتهباً في المشهد الإسرائيلي العام، إذ طفت على الوجه حركة احتجاجات اجتماعية انطلقت من مركز مدينة «تل أبيب» منتشرة في عدد كبير من مدن إسرائيل من الشمال وحتى الجنوب. أخذت هذه الحركة اسم «احتجاج الخيام» حيث نصب المحتجون آلاف الخيام في ميادين المدن وأطراف الشوارع الرئيسية عند مداخلها، وانضم عشرات آلاف الشباب الإسرائيلي إلى دعوة الاحتجاج، ولفهم تداعيات هذه الحركة علينا التطرق أولاً إلى دوافع حصولها وأهدافها وما آلت غليه في نهاية المطاف.
دوافع حركة الاحتجاج
1. شهدت الطبقة الوسطى في إسرائيل خلال العقدين الأخيرين تراجعاً في مكانتها الاجتماعية في أعقاب تآكل مستمر لرواتب ومداخيل المنضوين تحت سقفها, ويمكن إرجاع ذلك إلى السياسة الاقتصادية التي اتبعتها حكومات إسرائيل المتعاقبة في الفترة المشار إليها أعلاه, وخاصة سياسة حكومة نتنياهو الداعمة لخصخصة القطاع العام, وتخلص الحكومة من شركاتها, وتحويلها إلى القطاع الخاص, ومن ثم بدأت تتركز الثروات والموارد المالية بيد عائلات إسرائيلية عددها عشرون.
2ـ غلاء المعيشة في إسرائيل وارتفاع أسعار السلع ومتطلبات الحياة, أمام تآكل أجور الطبقة الوسطى المتضررة الأكبر من سياسات حكومة إسرائيل، فلم يعد بإمكان عائلة إسرائيلية متوسطة أن تعيش بمستوى اقتصادي ـ اجتماعي اعتادت عليه سابقاً, والأصعب من هذا أن هذه العائلات لم يعد بإمكانها أن تنهي الشهر بدخولها, ومن ثم تآكلت القدرة الشرائية للرواتب المتآكلة أصلاً مقابل ارتفاع في أسعار معظم السلع الضرورية وغير الضرورية.
3ـ نتيجة زيادة الطلب على الشقق السكنية سواء كان لغاية الشراء أم الإيجار في مدينة تل أبيب والمدن المحيطة بها ارتفعت الأسعار بشكل فاحش في السنة الأخيرة, مما أدى إلى عدم تحمل الشباب والأزواج الشابة من أبناء الطبقة الوسطى تحمل ذلك.
4ـ سياسة الحكومة في تقليص الإنفاق على الخدمات العامة, ومن ثم خفض نسبة الضرائب على الطبقة الوسطى بهدف رفع نسبة النمو الاقتصادي, إلا أن المتضررين كانوا من الطبقة الوسطى أنفسهم, أما المستفيدون فكانوا من أصحاب رؤوس الأموال ورجال الأعمال إذ زاد دخلهم بشكل فاحش, ودفعوا نسبة ضرائب متدنية, واستعادوا الضرائب غير المباشرة التي يدفعها أبناء الطبقة الوسطى, وهم من الأجيرين الذين لا يمكنهم استعادتها.
5ـ تخلصت حكومة إسرائيل سواء الحالية أو سابقاتها من كونها حكومة «دولة رفاه اجتماعي»، وذلك على حساب نقل ذلك إلى شركات القطاع الخاص, وبهذا تكون قد خلفت ورائها الطبقة الوسطى وغيرها من دون خدمات مؤكدة سواء في قطاع التعليم أو الصحة, إذ احتاج المواطن إلى دفع مبالغ كبيرة لقاء نيله هذه الخدمات.
6ـ هناك شرائح سكانية في المجتمع الإسرائيلي لا تشترك في سوق العمل, أي أنها لا تنتج, خاصة المتدينين المتشددين, اعتماد هؤلاء على ما توفره لهم أحزابهم المتدينة المشتركة في الائتلاف الحكومي, بمعنى آخر ما تنجح هذه الأحزاب, وغالباً تحقق ذلك, في ابتزاز الحكومة بأموال كثيرة تحول على شكل أموال مخصصة للمؤسسات التي تديرها هذه الأحزاب.
وهناك العرب الفلسطينيون في الداخل الذين لا تأثير لهم في سوق العمل جراء سياسات حكومات إسرائيل المتعاقبة الهادفة إلى تهميشهم وإقصائهم كجزء من آلة التمييز ضدهم, وعدم توفير فرص عمل لهم في قراهم أو مدنهم ورفض شركات كثيرة استيعابهم في صفوفها من منطلق عنصر بات واضحاً وغير خفي.
7ـ ميزانية الأمن في إسرائيل التي تستحوذ قسطاً كبيراً من مجمل الميزانية العامة, وتأتي على حساب ميزانيات التربية والتعليم والصحة والتطوير.
8ـ الدعم غير المحدود بمبالغ كبيرة, والذي تقدمه الحكومة للنشاط الاستيطاني, وخاصة مشاريع البناء التي يجري تنفيذها في الضفة الغربية, بدلاً من الاستثمار في البناء في إسرائيل من قبل الحكومة أو شركات متعاقدة معها.
9ـ ازدياد وتعمق الفجوات والثغرات الاجتماعية والاقتصادية مع الأطراف التي تعتبر فقيرة مقارنة مع «تل أبيب».
مطالب حركة الاحتجاج
يجب التنويه هنا إلى أن حركة الاحتجاج لم تطالب بتنفيذ انقلاب اقتصادي ـ اجتماعي, كل ما طلبته يتمحور في إعادة دولة الرفاه الاجتماعي والعدالة الاجتماعية إلى المشهد الحياتي العام في إسرائيل بعد أن سيطر وساد الاقتصاد الحر على هذا المشهد, وكون «حيتاناً» من الأثرياء، ودفع إلى أسفل شرائح عريضة من الطبقة الوسطى.
ويستشف من المطالب إن الحركة دعت أو نادت بحاجة المجتمع الإسرائيلي إلى نقطة توازن جديدة بين نظام السوق الحرة وبين تقسيم أكثر عدلاً للدخل وتوفير ظروف معيشية مقبولة مع الحفاظ على المصالح العامة, وبالمجمل العام يمكن ملاحظة عدد من المطالب العامة التي رفعتها الحركة, وهي:
1ـ المطالبة بإجراء تعديلات على النظام الاقتصادي العام في إسرائيل دون تغييره جذرياً, أي أن هذه الحركة تتفاعل مع النظام المتعلق بالسوق الحرة, ولكن حاجتها إلى لجم مساحة وفضاء تحرك السوق الحرة.
2ـ تغيير النهج الاقتصادي ـ الاجتماعي للحكومة, وإعادة العمل بنظام «دولة الرفاه» المؤسسة على أسس العدالة الاجتماعية, وهذا هو الشعار المركزي لحركة الاحتجاج, وهذا يعني إعادة مسؤولية الرفاه الاجتماعي إلى الحكومة بعد أن تنازلت عنها لصالح القطاع الخاص الذي تحكم بالسوق والأسعار والأجور.
3ـ مطالبة الحكومة إعادة العمل بنظام الرقابة الحكومي على الأسعار, كما كان معمولاً به, خاصة أسعار المواد الأساسية والمدعومة والضرورية, ورفع الأجور, وفرض التعليم الإلزامي المجاني, وتحسين الخدمات الصحية, وفرض ضرائب على أصحاب رؤوس الأموال.
طبيعة الحركة
من المفيد التعمق في فهم طبيعة وجوهر هذه الحركة قبل الوصول إلى تداعياتها على المشهد العام في إسرائيل وتأثيرها على سياسة الحكومة الحالية وصناع القرار, فالحركة الاحتجاجية لم تخرج عن الإجماع الفكري الصهيوني, أي أنها لم تعلن ثورة شاملة على نظام الحكم, ولم تطالب مطلقاً بإسقاط الحكم, حتى إنها لم تطالب بإجراء انتخابات برلمانية, إنما انحصر دورها في المطالبة بأمور عينية معيشية تخص طبيعة تكوين الطبقة الوسطى في «تل أبيب».
من جهة أخرى, فإن الحركة لم تدع إلى تغيير أجندة الحياة العامة في إسرائيل، حيث إن الشأن الأمني لم يكن مطروحاً بالمطلق إلا من باب تقليص ميزانيات الأمن لصالح مرافق أخرى, وفي حقيقة الأمر هذا المطلب ليس تقليص ميزانية الأمن, ولو بنسبة قليلة لا تؤثر على الأمن ذاته.
ويمكن ملاحظة مسألة إضافية في طبيعة هذه الحركة أنها تبغي إلى إعادة جدولة سلم أولويات الميزانية الإسرائيلية وكيفية صرفها, وليس تعديلها جذرياً, أي أن الحركة ليست ثورية مطلقاً لا في منطلقاتها ولا في جوهرها.
تداعيات حركة الاحتجاج
مما لا شك فيه أن حركة كهذه أشغلت سياسي إسرائيل، وتركت بصماتها على مجمل تحركاتهم وتوجهاتهم ولو مؤقتاً, إذ إنه ساد شعور بخمول عام في الشارع الإسرائيلي وتقبل المقدم من قبل الحكومات وكأنه شيء مسلم به, وخاصة تلويح كافة حكومات إسرائيل بالأمن كذريعة لكل خطواتها الاقتصادية والاجتماعية والإصلاحية.
ومما لا شك فيه أيضاً أن هذه الحركة قد أحدثت صدمة ما وبصورة محدودة على صناع القرار والرأي العام, ويمكننا ملاحظة عدد من التداعيات في محاور عدة منها:
1ـ تراجع وانخفاض شعبية نتنياهو وحكومته, وفقاً لاستطلاعات الرأي العام التي تجري بشكل مستمر, وخاصة في فترة نصب خيام الاحتجاج في «تل أبيب» وسواها من مدن وبلدات في إسرائيل.
ومن ثم: أسهمت الحركة في إضعاف مكانة ودور الليكود, كحزب حاكم أوهم الجماهير الإسرائيلية أنه قادر على قيادة السفينة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً, وهذه نقطة في غاية الأهمية إذ ستترك أثراً في حال سقوط حكومة نتنياهو (ستحسب نقطة ضده) والدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة, وهذا أمر غير منظور في المستقبل القريب, على الرغم من أن كثيرين توهموا حصول ذلك في أعقاب انتشار الاحتجاج.
2ـ تيقظ أحزاب المعارضة من سباتها العميق المتمثل في عدم قدرتها على مواجهة سياسات حكومة نتنياهو ذات الأغلبية البرلمانية المستندة على أحزاب متدينة ويمينية متطرفة.
3ـ لا شك أن الجمود السياسي الذي اختاره نتنياهو في مسار التفاوض مع الفلسطينيين لم يحقق ثماراً, إنما عمل على التأثير السلبي على الاقتصاد والحياة الاجتماعية, إضافة إلى ازدياد حدة عزلة إسرائيل إقليمياً (جراء ثورة يناير في مصر, وحراك الشارع في الأردن, ونهج حكومة أردوغان في أسطنبول...), إذ ساد الشعور أن إسرائيل مقبلة على مسلسل مواجهات دام مع الفلسطينيين, وخاصة أن المصالحة التي تم التوقيع عليها بين فتح وحماس قد أقلقت حكام إسرائيل ـ على الرغم من عدم تطبيقها ميدانياً ـ لهذا يجب تحريك المسار السياسي للتخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية.
4ـ وعطفاً على ما ورد أعلاه في البند السابق, فإن حركة الاحتجاج لم تتطرق إلى الصراع السياسي الدائر بين إسرائيل والفلسطينيين والعرب, إذ حاول قياديو الحركة الامتناع كلياً عن التطرق إلى مسألة الاحتلال وأعبائه وتكلفته, كي لا يتمزق شمل المحتجين الذين انضمت إليهم قطاعات من اليمين الإسرائيلي بما فيه المتطرف جداً.
5ـ خرجت أصوات في حركة الاحتجاج تنادي بإعادة صياغة أسس المشروع الصهيوني المبنية على التماسك الاجتماعي, وهذا ما لوحت به الحركة من إعادة « دولة الرفاه» التي أسهمت في تماسك المجتمع الإسرائيلي في السنوات التالية لتأسيس إسرائيل، ومن ثم بعث المشروع الصهيوني من غياهب التاريخ بإعادة ما يسمى «القيم الاجتماعية والمثل العليا التي دعت إليها الصهيونية وآباؤها الأوائل».
6ـ إن سقف حركة الاحتجاج لم يكن عالياً كسقوف حركات الاحتجاج أو الثورات في عدد من الدول العربية, وخاصة في مصر, وهنا يمكن إدراك تداعيات هذا الأمر على الحركة بكونها حركة مؤقتة وتأثيرها مؤقت, وهو ليس تأثيراً على المدى البعيد, السقف المحدود هو في المطالب, ومن ثم في استجابة الحكومة عليها, وخاصة أن المسألة مرتبطة بقضايا مالية وميزانيات.
وبمعنى آخر مطالبة الحركة للحكومة بحل أزمة السكن في «تل أبيب» ليبقى أهل «تل أبيب» فيها ينعمون برغد العيش, وهنا طرح حل من قبل نتنياهو وعدد من مسؤولي حكومته, بأن يتم توجيه شباب «تل أبيب» إلى المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية, حيث يوجد فيها آلاف الشقق السكنية, والتي ينالونها مجاناً أو بأثمان بخسة تتحول مع الوقت إلى هبات.
7ـ قد تفرز حركة الاحتجاج قوى سياسية جديدة على الساحة العامة في إسرائيل تمهيداً لانتخابات الكنيست القادمة, الحديث هنا عن تشكيل حركة سياسية أو حزبية مؤلفة من أبناء الطبقة الوسطى, ولكنها لا تحمل آفاقاً سياسية جديدة أو ثورية, ليقال إنها خرجت عن الإجماع السائد, وستبقى ضمن نطاق التحرك السياسي الصهيوني المعمول به, أي عدم التعرض للـ«البقرة المقدسة» أي الأمن الإسرائيلي.
إفرازات حركة الاحتجاج
يمكن ملاحظة سلسلة من التعديلات في عدد من المنظومات الاقتصادية والاجتماعية, والتي لن تزعزع أسس «دولة إسرائيل» كدولة يتحد سكانها اليهود فيما بينهم حول إجماع متفق عليه على القضايا الرئيسية.
ويمكن أيضاً ملاحظة أن لجنة صياغة المطالب وطرح مقترحات الإصلاح «لجنة تراختبرغ» لن تقدم ما هو جديد, كل ما ستقوم به هو المساهمة بصورة غير مباشرة في امتصاص غضب الشارع الإسرائيلي العام, وفي هذه النقطة حصرياً فإن نتنياهو متفوق وناجح.
لذا, نرى أن حركة الاحتجاج قد لفتت أنظار صناع القرار إلى ضرورة لجم حركاتهم وتحركاتهم الاقتصادية والاجتماعية, ولم تطرح هذه الحركة قضايا الاستيطان والاحتلال وحصار غزة, فهذا أمر متروك للحكومة, ولا شأن لـ«تل أبيب» وسكانها به.
ومن غير المأمول أن يحدث انقلاباً على المنظومة الحزبية في إسرائيل ما دام سقف حركة الاحتجاج قد حدد مسبقاً لمطالب العدالة الاجتماعية دون وضع الأصبع عل الوجع الحقيقي في إسرائيل، ألا وهو نظام الحكم ومنظومة الرؤى سياسياً.
واضح أن محتجي «تل أبيب» قد رفضوا الخوض في الشأن السياسي, والأزمة هي في هذا الشأن تحديداً, ولكن هروبهم أو عزوفهم عنه لن يطول به المدى, حيث سيطرح مستقبلاً, وستتضح الصورة أن الحكومة الإسرائيلية لن تستطيع الاستمرار في تحصين نفسها من تداعيات ثورات العالم العربي, ولن تكون الخيام هي الوسيلة الوحيدة لذلك.